سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٣٢٥
فلو رأيتهم يا أحنف وقد قدموا على زيادات ربهم سبحانه ، صوتت رواحلهم بأصوات ، لم يسمع السامعون بأحسن منها ، وأظلتهم غمامة ، فأمطرت عليهم المسك والزعفران ، وصهلت خيولها بين أغراس تلك الجنان ، وتخللت بهم نوقهم بين كبث الزعفران ، ويتطامن تحت أقدامهم اللؤلؤ والمرجان ، واستقبلتهم قهارمتها بمنابر الريحان ، وهاجت لهم ريح من قبل العرش ، فنثرت عليهم الياسمين والأقحوان ، وذهبوا إلى بابها فيفتح لهم الباب رضوان ، ثم يسجدون لله في فناء الجنان ، فقال لهم الجبار : إرفعوا رؤسكم ، فإني قد رفعت عنكم مؤنة العبادة ،
وأسكنتكم جنة الرضوان !
فإن فاتك يا أحنف ما ذكرت لك في صدر كلامي ، لتتركن في سرابيل القطران ، ولتطوفن بينها وبين حميم آن ، ولتسقين شراباً حار الغليان في إنضاجه ! فكم يومئذ في النار من صلب محطوم ، ووجه مهشوم ، ومشوه مضروب على الخرطوم ، قد أكلت الجامعة كفه ، والتحم الطوق بعنقه ، فلو رأيتهم يا أحنف ينحدرون في أوديتها ، ويصعدون جبالها ، وقد ألبسوا المقطعات من القطران ، وأقرنوا مع فجارها وشياطينها ، فإذا استغاثوا من حريق شدت عليهم عقاربها وحياتها . ولو رأيت منادياً ينادي وهو يقول : يا أهل الجنة ونعيمها ، ويا أهل حليها وحللها ، خلودٌ فلا موت ، فعندها ينقطع رجاؤهم ، وتغلق الأبواب ، وتنقطع بهم الأسباب ! فكم يومئذ من شيخ ينادي وا شيبتاه ! وكم من شابّ ينادي واشباباه ! وكم من امرأة تنادي وا فضيحتاه ! هتكت عنهم الستور !
فكم يومئذ من مغموس بين أطباقها محبوس ، يا لك غمسة ألبستك بعد لباس الكتان ، والماء المبرد على الجدران ، وأكل الطعام ألواناً بعد ألوان ، لباساً لم يدع لك شعراً ناعماً كنت مطعمه إلا بيَّضَه ، ولا عيناً كنت تبصر بها إلى حبيب إلا فقأها . هذا ما أعد الله للمجرمين ، وذلك ما أعد الله للمتقين ) .