سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٣٢٤
عقولهم إذا غلت بهم من أجل المحشر إلى الله سبحانه غلياناً ، فكانوا يحِنُّونَ حنين الواله في دجى الظلم ، وكانوا يُفجعون من خوف ما أوقفوا عليه أنفسهم ، فمضوا ذُبْل الأجسام ، حزينةً قلوبهم ، كالحةً وجوههم ، ذابلةً شفاههم ، خامصةً بطونهم ، تراهم سكارى ، سُمَّارُ وحشةِ الليل ، يتخشعون كأنهم شِنَانٌ بَوَالٍ ، قد أخلصوا لله أعمالهم سراً وعلانية ، فلم تأمن من فزعه قلوبهم ، بل كانوا كمن جرسوا قباب خراجهم .
فلو رأيتهم ليلتهم وقد نامت العيون ، وهدأت الأصوات ، وسكنت الحركات من الطيور في الوكور ، قد نهنههم خوف يوم القيامة والوعيد ، كما قال سبحانه وتعالى : أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ . فاستيقظوا لها فزعين ، وقاموا إلى صلاتهم معولين ، باكين تارة وأخرى مسبحين ، يبكون في محاريبهم ويرنون ، يصطفون ليلة مظلمة بهماء يبكون .
فلو رأيتهم يا أحنف في ليلتهم قياماً على أطرافهم ، منحنيةً ظهورهم ، يتلون أجزاء القرآن لصلاتهم ، قد اشتد إعوالهم ونحيبهم وزفيرهم ، إذا زفروا خلت النار قد أخذت منهم إلى حلاقيمهم ، وإذا أعولوا حسبت السلاسل قد صفدت في أعناقهم ، فلو رأيتهم في نهارهم إذاً لرأيت قوماً يمشون على الأرض هوناً ، ويقولون للناس حسناً ، فإذا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا . وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا . قد قيدوا أقدامهم عن التهمات ، وأبكموا ألسنتهم أن يتكلموا في أعراض ، وسجموا أسماعهم أن يلجها خوض خائض ، وكحلوا أبصارهم بغض النظر إلى المعاصي ، وانتحوا دار السلام ، من دخلها كان آمناً من الريب والأحزان .
فلعلك يا أحنف شغلك نظرك إلى الدنيا عن الدار التي خلقها الله سبحانه من لؤلؤة بيضاء ، فشقق فيها أنهارها ، ودارٍ قد أشغلت بنقش رواقها ، وستور قد علقتها ، والريح والآجام موكلة بثمرها ، وليست دارك هذه دار البقاء ، فاحمتك الدار التي خلقها الله سبحانه ، لؤلؤة بيضاء ، فشقق فيها أنهارها وغرس فيها أشجارها ، وظلل عليها بالنضج من ثمارها ، وكبسها بالعواتق من حورها ، ثم أسكنها
أولياءه وأهل طاعته .