سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ٢٩٤
الصلح وإلى الكتاب والسنة ، فليس أحد يسمع من كلامي حرفاً ، وعجل من لقينا القتال فرموا النبل ، وصرعهم القوم حتى قتل من أصحاب علي رجل ورجلان ، ثم تقارب الناس ولَحَمَ الشر وصار القوم ليس لهم همة إلا جملي ، ولقد دخلت عليَّ سهام فجرحتني ، فأخرجت ذراعها وأرتنا جرحاً على عضدها ، فبكت وأبكتنا !
قالت : وجعل كلما أخذ بخطام جملي رجل قتل ، حتى أخذه ابن أختي عبد الله فصحت به وناشدته بالرحم أن يتجافاني ، فقال : يا أم هو الموت يقتل الرجل وهو عظيم الغنى عن أصحابه على نيته خيرمن أن يدرك وقد فارقته نيته ، فصحت : واثكل أسماء ! فقال يا أم إلزمي الصمت وقد لحم ما ترين . فأمسكت ! وكان من معنا فتيان أحداث من قريش لاعلم لهم بالقتال ، ولم يشهدوا الحرب فكانوا جزراً للقوم ، فإني لعلى ما نحن فيه وقد كان الناس كلهم حول جملي فسكتوا ساعة ، فقلت : خيراً أم شراً ذا سكوتكم ، ضَرُسَ القتال ! وإذا ابن أبي طالب أنظر إليه يباشرالقتال بنفسه ، وأسمعه يصيح الجمل الجمل ، فقلت أرادوا والله قتلي فإذا هو علي بن أبي طالب ومعه محمد بن أبي بكر أخي ، ومعاذ بن عبد الله التميمي ، وعمار بن ياسر ، وقطعوا البطان واحتملوا الهودج ، فهوى على أيدي الرجال يرفلون به ، وهرب من كان معنا ، فلم أحس لهم خبراً ! ونادى منادي علي بن أبي طالب : لا يتبع مدبرٌ ولا يجهز على جريح ، ومن طرح السلاح فهو آمن ، فرجعت إلى الناس أرواحهم !
فمشوا على الناس واستحيوا من السعي ( مشوا على الجثث حول الجمل ولم يسرعوا ) فأدخلت منزل عبد الله بن خلف الخزاعي ، وإنه منزل رجل قد قتل وأهله مستعبرون عليه ، ودخل معي كل من خاف علياً ممن نصب له ، واحتمل ابن أختي عبد الله جريحاً .
فوالله إني لعلى ما أنا عليه وأنا أسأل ما فعل أبو محمد طلحة ، إذ قال قائل قتل ، فقلت : ما فعل أبو سليمان فقيل قد قتل ، فلقد رأيتني تلك الساعة جمدت عيناي فانقطعت من الحزن ، وأكثرت من الاسترجاع والندامة ، وذُكر من قتل فبكيت لقتلهم ، فنحن على ما نحن عليه وأنا أسأل عن عبد الله فقيل قتل ، فازددت غماً وهماً ، حتى كاد ينصدع قلبي ، فوالله لقد بقيت ثلاثة أيام بلياليهن ما دخل في فمي طعام ولا شراب ، وإني