سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ١٧٥
وإنما قمت تلك المقامات ، واحتملت تلك الشدائد ، وتعرضت للحتوف ، على أن نصيبي من الآخرة موفوراً ، وأني صاحب محمد وخليفته ، وإمام أمته بعده ، وصاحب رايته في الدنيا والآخرة . اليوم أكشف السريرة عن حقي ، وأُجلي القذى عن ظلامتي ، حتى يظهر لأهل اللب والمعرفة أني مذلل ، مضطهد مظلوم ، مغصوب مقهورمحقور ، وأنهم ابتزوا حقي ، واستأثروا بميراثي . اليوم نتواقف على حدود الحق والباطل ، من وثق بما لم يضم ، من استودع خائناً فقد غش نفسه ، من استرعا ذئباً فقد ظلم . من ولَّى غشوماً فقد اضطهد . هذا موقف صدق ، ومقام أنطق فيه بحقي ، وأكشف الستر والغمة عن ظلامتي .
يا معشر المجاهدين المهاجرين والأنصار ، أين سبقت تيم وعدي إلى سقيفة بني ساعدة خوف الفتنة ، ألا كانت يوم الأبواء ، إذ تكانفت الصفوف ، وتكاثرت الحتوف ، وتقارعت السيوف ! أم هلَّا خشيا فتنة الإسلام يوم ابن عبد ود ، وقد نفخ بسيفه ، وشمخ بأنفه وطمح بطرفه ! وَلِمَ لمْ يشفقا على الدين وأهله يوم بواط ، إذ اسودَّ لون الأفق ، واعوجَّ عظم العنق ، وانحلَّ سيل العرق !
ولم يشفقا يوم رضوى ، إذ السهام تطير ، والمنايا تسير ، والأُسد تزأر !
وهلا بادرا يوم العشيرة ، إذ الأسنان تصطك ، والآذان تستك ، والدروع تهتك ! وهلا كانت مبادرتهما يوم بدر ، إذ الأرواح في الصعداء ترتقي ، والجياد بالصناديد ترتدي ، والأرض من دماء الأبطال ترتوي !
وَلِمَ لمْ يشفقا على الدين يوم بدر الثانية ، والرعابيب ترعب ، والأوداج تشخب ، والصدورتخضب ! أم هلا بادرا يوم ذات الليوث ، وقد أبيح التَّوْلب ، واصطلم الشوْقب ، وادلهمَّ الكوكب ! ولم لا كانت شفقتهما على الإسلام يوم الكد ، والعيون تدمع ، والمنية تلمع ، والصفايح تنزع !
ثم عدد وقائع النبي ٦ كلها على هذا النسق ، وقرعهما بأنهما في هذه المواقف كلها كانا مع النظارة والخوالف والقاعدين ، فكيف بادرا الفتنة بزعمهما يوم السقيفة ، وقد توطأ الإسلام بسيفه ، واستقر قراره ، وزال حذاره . ثم قال بعد ذلك :