سيره أمير المؤمنين - على الكوراني العاملي - الصفحة ١٧٠
وسخطوا ما رضي الله ، وأحبوا ما كره الله .
فلما اختارنا الله عليهم شركناهم في حريمنا ، وأدخلناهم في حيزنا ، فعرفناهم الكتاب والسنة ، وعلمناهم الفرائض والسنن ، وديَّناهم الدين والإسلام ، فوثبوا علينا ، وجحدوا فضلنا ، ومنعونا حقنا ، فكانوا كما قال الأول :
أدَمْتَ لعَمري شُرْبَك المحضَ صابحاً * وأكلَك بالزُّبد المَقَشَّرة البُجْرَا
ونحن وهبناك العلاءَ ولم تكنْ * علياً وحُطْنَا حولك الجُرْدَ والسُّمْرا » .
أليس بنا اهتدوا من متاه الكفر ، ومن عمى الضلالة ، وغيِّ الجهالة ، وبي أنقذوا من الفتنة الظلماء ، والمحنة العمياء . ويلهم ! ألم أخلصهم من نير الطغاة ، وسيوف البغاة ، وكره العتاة ، ووطأة الأسد . أليس بي تسنموا الشرف ، ونالوا الحق والنصف ، ألست آية نبوة محمد ٦ ودليل رسالته ، وعلامة رضاه وسخطه ، وبي كان يبري جماجم البُهَم ( الشجعان ) وهام الأبطال ، إذا فزعت تيمٌ إلى الفرار ، وعديٌّ إلى الإنتكاص ! ولوأسلمتُ قريشاً للمنايا والحتوف ، لحصدتهم سيوف العرازم ( الفرسان ) ووطأتهم خيول الأعاجم ، وطحنتهم سنابك الصافنات ، وحوافر الصاهلات ، عند إطلاق الأعنة ، وبريق الأسنة ، ولما بقوا لظلمي ، ولا عاشوا لهضمي ، ولما قالوا : إنك لحريص متهم .
يا معاشر المهاجرين والأنصار ! أين كانت سبقة تيم وعدي إلى سقيفة بني ساعدة خوف الفتنة ! ألا كانت يوم الأبواء ، إذ تكاثفت الصفوف ، وتكاثرت الحتوف ، وتقارعت السيوف ! أم هلَّا خشيا فتنة الإسلام يوم ابن عبد ود وقد نفخ بسيفه ، وشمخ بأنفه ، وطمح بطرفه ! ولمَ لم يشفقا على الدين وأهله يوم بواط ، إذ اسودَّ لون الأفق ، وأعوج عظم العنق ، وانحلَّ سَيْل الغرق !
ولمَ لم يُشفقا يوم رضوى ، إذ السهام تطير ، والمنايا تسير ، والأسد تزير !
وهلا بادرا يوم العشيرة ، إذ الأسنان تصطك ، والآذان تستك ، والدروع تهتك ! وهلا كانت مبادرتهما يوم بدر ، إذ الأرواح في الصعداء ترتقي ، والجياد بالصناديد ترتدي ، والأرض بدماء الأبطال ترتوي !
ولمَ لم يُشفقا على الدين يوم بدر الثانية ، والدعاس ترعب ، والأوداج تشخب ،