محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١١٧ - الخطبة الأولى
انبسطت على المهاجرين .. ( (وَ لا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا ..)) ومع ذلك ( (.. وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ)) قد لا يعطي الأنصاري المهاجر من وجدان، وإنما يعطيه من حسٍ عميقٍ من غنى الإيمان، قد يكون الأنصاري ليس على الغنى الذي يسمح له بإشراك المهاجر في ماله، ولكنه يجدها ضرورة إيمانية ويعيش اللذة والأنس من خلال التحامه بإيمانه وتفاعله بإيمانه، لا بل إنهم ( (يُؤْثِرُونَ)) المهاجرين على أنفسهم مع ما يشعرون به من الحاجة من المال. هذا مستوى إنساني رفيع جداً، يحتاج الوصول إليه إلى روحٍ شفافة، وإلى نفس تحررت من أسر المادة، وإلى ثقة عميقة بالله تغذي النفس وتغنيها، وهذا كله لا يصنعه إلّا الإيمان ومنهج الإسلام.
أنت لا تستطيع أن تحصل على هذا المستوى الإنساني الرفيع، الذي يجد الغنى في نفسه أكثر مما يجده في يده، والذي يؤثر أخاه على نفسه رغم ضغط الحاجة، إلا بصناعة إلهية لهذا الإنسان، صناعة تشريعية ترقى بمستواها إلى مستوى الصناعة التكوينية لهذا الإنسان، دقةً وعدلًا وحكمة، فهي هي تماماً في الحد والقدر.
( (.. وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ))
نحن لا نستطيع أن نتقدم من الله عز وجل، نطلب الكمال من كماله، ونطلب الفيض من فيضه، ونطلب الهدى من هداه، والرحمة من رحمته، إلا بمقدار ما نتخلص من (الشح) الذي يعني الحرص البالغ في النفس بحيث لا تعطي، وتتمنى أن ما بيد الغير بيدها، والقضية قضية منهجين: منهج إلهي في التربية، ومنهج أرضيٌ آخر في التربية، المنهج الإلهي في التربية إذا حكم الحياة بلغ بالأنفس أن تتخلص من شحها. هو يقيها من الشح، ويخلصها من الشح، المنهج الثاني الأرضي يركز في النفس الشح ويعمقه، ويأسر النفس لشح شحيح لئيم.