محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٥٦ - الخطبة الأولى
النفس إلى الشهادة، إقتحام مواقع الشهادة بإرادة وتصميم، كل ذلك لن يكون كبيراً حتى يكون العمل خالصاً لله سبحانه وتعالى. وجهاد النفس على أن تخلص العمل إلى الله أصعب من جهاد النفس أن تثبت القدم في مواقع الجهاد وفي مواقع الشهادة وإن عظمت وخطر شأنها.
انظروا وأنا في هذا العمر قد صليت كثيراً وصمت كثيراً وكانت لي أعمال من فرائض الإسلام لكن لا أدري بعد صبري على الصوم، وعلى الصلاة وعلى الحج وعلى أعمال أخرى هي من الفرائض أني أخلصت عبادة واحدة أم لم أخلص، أخلصت في ركعة واحدة أم لم أخلص، ولو راجع أحدكم نفسه لكان مثله مثلي.
إنه لا يدري أنه أخلص لله يوماً ما في عبادة من العبادات أم لم يخلص، والله هو العالم الشهيد على الأنفس والمطلع عليها وعلمه أدق من علمي وعلمك وهو أعرف بك وبي مما نعرف به أنفسنا.
الإخلاص أهم من الكثرة:
كثرة العبادة مطلوبة، وكثرة العبادة تعني كثرة الثواب، ولكن إذا تردد الأمر بين أن تكثر العبادة من المرء، أو يخلص في العبادة مقتصراً على الفريضة كان الإخلاص أهم لأنه المطلوب الأول؛ ذلك- أخوتي- لأن الإخلاص صناعة القلب، لأن الإخلاص حركة القلب إلى الله حركة صاعدة في اتجاه الباري سبحانه وتعالى. حركة الركوع، وحركة السجود حركتان خارجيتان من حركات الجسد. والذات هي الروح والعقل والقلب فما لم تكن حركة صاعدة من الذات إلى الله لا تنبني الذات، إنما يبني الذات أن تتحرك هذه الذات في اتجاه الكمال، والذات المتمثلة في الروح وما يترشح عنها من مشاعر، ومن عقل وإدراك، لا تنبني إلا في ظل حركتها الذاتية، لا أن يتحرك الجسد من غير حركة الروح فتنبني الروح.