محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٣٧ - الخطبة الثانية
درجات الكمال الفكري والنفسي والروحي، مع بناء أوضاع اجتماعية وسياسية واقتصادية وعلمية وصحّيّة وأمنية يشعر الناس من خلالها بطعم الحياة الهنيئة الراقية.
ثانيا: ليس واردا القول بأن الأئمة عليهم السلام قد اعتزلوا الحياة العامة، وشأن الأمة ومنه البعد السياسي، وعاشوا حالة اللامبالاة بهذا الشأن وبهذا البعد بالخصوص، واكتفوا بدور الوعظ والإرشاد العفوي أو المخطط، وكانوا على مستوى المعلم المتفرّغ لتعليمه، والكاتب المشغول بكتابته، والمحقق في أي حقل من حقول المعرفة المستغرق في تحقيقه، وصاحب الهمّ الثقافي المشغوف بنشاطه الثقافي، هم عليه السلام أكبر من كلّ هذه النماذج والأمثلة بكثير.
قادة حياة، يحملون مسؤولية توجيه الحياة والإنسان، صناعة الحياة والإنسان، ولا أظن أحدا ممن ينفي السياسة عن الأئمة عليهم السلام يريد اعتزالهم لها و إلا ظلمهم وقال قولا شططا، وبعد عن الحق كثيرا. لقد كانوا وهم خزنة علم الوحي، وقادة الأمم، وورثة الأنبياء، وقوام الدين، والمؤتمنون على حركة التاريخ، ومصير الرسالات الإلهية أكبر من كلّ ذلك، وأبعد شأنا، وأنزه من أن يقال فيهم هذا القول.
ثالثاً: قد يُراد أنّ أكثرالأئمة عليهم السلام لم يخططوا لقلب نظام الحكم المعاصر لهم، ولم يقودوا ثورة بهذا الغرض، وهذا صحيح وواقع، وهذا صحيح وواقع وله أكثر من سبب، ومن بين هذه الأسباب: أنّهم ليسوا طلاب حكم لنفس الحكم، ومن أجل الامتيازات التي تنالها الذات، وإنما إذا طلبوا الحكم فلأجل مصلحة الإسلام والإنسان كلّ إنسان، وحيث يتناقض- حسب تشخيصهم- طلب الحكم مع مصلحة الإسلام والمسلمين لبعض الملابسات لا يعقل في حقهم هذا الطلب، وقد اعتذر الإمام علي عليه السلام عن الحكم معروضاً عليه، واشترط لنفسه ما اشترط، وعُرض على الصادق عليه السلام من أبوأبي مسلم الخراساني أن يقود هذا الأخير حركة لإسقاط الحكم لصالح إمامة الإمام عليه السلام