محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٤٧ - الخطبة الأولى
أما بعد أيها المؤمنون والمؤمنات ..
فليس من رصيد لأحد يملكه فينتفع به قبل رصيد العمر، ومن دونه، فهو أساس كل رصيد، وما لنفس أن تكسب شيئا بلا حياة، وما قامت دنيا، ولا فاز فائز بآخرة بموت وعدم، ويوم النوم يوم موت لا حياة، ويوم الهزْل يوم ضائع خاسر لا رابح، ويوم الأكل والشرب من أيام الحيوان لا الإنسان، ويوم الإثم يوم للنار لا للجنة، وللهبوط لا الصعود.
ويوم اليقظة، والجد والسعي، والعلم، والطاعة وحده هو يوم الحياة، والربح، والإنسانية، والرفعة، والجنة والخلود الكريم؛ فقيمة أحدنا في نهاية الحياة من قيمة ساعات نومه ويقظته، هزله وجده، معصيته وطاعته، شره وخيره. ووزنه وزن ما علم، وعمل ونوى وأضمر في كمٍّ وكيف. وإن يزذد امرئ وخيرا أو شرا بعد يوم وفاة فإنما سبب أيام قضاها في الحياة. أما الموت فغير منتج مطلقاً، فلا تفرط في العمر، ولا تلعب في الحياة. وإن تعمل فاعمل صالحا و إلا فالموت خير لك من الحياة.
ويوم النوم لا يثمر ما ليوم الجد، ويوم الجهل لا يثمر ما ليوم العلم، ويوم المعصية لا يعقب ما يعقبه يوم الطاعة، ويوم الشهوة لا يعطي ما يعطيه نشاط الروح، ونحن غداً من جنس ما قضينا فيه الوقت، و أمضينا العمر، و أنفقنا الأيام بلا تغيير إلا أن يرحم الله.
وهذا العمر ثوان عابرة، ولحظات راكضة، وآنات منصرمة محدودة العدد، محسوبة الأمد، لا عودة للحظة من لحظاته، ولا تجدد لآن من آناته. وما أنا وأنت حاضرا ومستقبلا إلا هذه الثواني واللحظات وما نعبئها من إدراك ونية وعمل في خطئه وصوابه، شره وخيره، طالحه وصالحه.
وأنت صادق عندما تقول أن كل ثانية عمر لنا نشهد فيه ولادة ويعرض علينا بنهايته موت. ولا يعلم إلا الله كم كان لنا وعلينا من هذه الأعمار القصيرة المهمّة التي يتبعها نوع المصير الأخير. و من هذه الأعمار ما رفع، ومنها ما وضع، ومنها ما يأخذ إلى الجنة، ومنها