محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٥٢ - الخطبة الثانية
معادِ محض، ربما أدى إلى تصديق برئ عند السّذّج. وعدم تدخل السياسة في الدين افتراء وزور مكشوف إذ لا يسع السياسة إلا أن تتدخل في شؤون الدين وهي تتحد معه موضوعاً، وتنسجم معه أو تعارضه في الوظيفة. فكلمة ما لله لله، وما لقيصر لقيصر كلمة كاذبة ساذجة، أو سياسيّة ماكرة يراد بها تخدير المتدينين على أساس الإيهام بعدم وجود تعارض بين المساحة التي يتناولها أمر الله ونهينه وتشريعاته، والمساحة التي يحكمها قيصر من حياة الإنسان ونشاطه، بعد التسليم أن لقيصر أن يستقل عن الله عز وجل في أي أمر من الأمور. والحق أن ليس لقيصر في الكون كله ملكاً يستقل به، وأن أمر الله ونهيه وتشريعاته تعمّ حياة الإنسان، فكلما جاء أمر أو نهي على خلاف ما لله من أمر ونهي في أي نقطة من حياة الإنسان ووجوده كان ذلك مكابرة لله، وتمرداً على شريعته.
والحق انه بمقدار ما تتحرف السياسة عن خط الدين يُعطّل الدين، ويلغى من ناحية عملية، وبقاء الدين في مساحة الحياة بمقدار ما توافق السياسةُ الديَن عليه من التشريعات والمواقف.
وقد استمر فصل الدين عن الحياة، وعطّلته السياسة في الكثير من المرافق وألغته في ساحات كبيرة. والأخطر من التعطيل التشويه، وقد ترافقا معاً منذ بعيد، ويتم التشويه بتسييس الإسلام، بدل أسلمة السياسة، ويكون التسييس باتخاذ دين الله مركباً للأغراض السياسية وكسب الرأي العام وتأييده، واستعمال الواجهة الدينية وسيلة فعالة لاستقطاب الجماهيري. وقد تكون هذه الواجهة شعاراً دينياً بلا مضمون، أو مؤسسة إسلامية للهيمنة السياسية على الدين، أو عالماً مغبوناً تستغفله الدنيا، وتكبر في عينيه زينتها. وقد عرفت هذه الأساليب وأجادت استخدامها دول في الغرب، ودول في الشرق في القديم والحديث، وحتى العالم الغربي العلماني لازال يقدر لهذه الوسيلة أهميتها في الظروف الخاصة، وعند المقتضيات الضرورية.