محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٨٤ - الخطبة الأولى
٢. عن الرسول (ص): لو يعلم العبد ما في رمضان لود أن يكون رمضان السنة. الآن رمضان شهر واحد، لو علم أحدنا ما في رمضان من الخير، من البركة، من المغفرة، من فرص النمو والرقي، من عطاءات ذي الجلال والإكرام، من نتائج كبيرة رابحة يراها العبد في نفسه في الدنيا، ويراها يوم الحساب لود أن يكون رمضان السنة كل السنة، وأن يكون الصوم ليس لشهر واحد إنما لتمام السنة.
إنما نزهد في الآخرة، ونقدم الدنيا جهلًا، ولأننا نبصر بعين البدن، ولا نبصر بين الروح. أما الذين يقدمون الآخرة على الدنيا فلأن لهم بصيرة ترى الدنيا على ماهي، وترى من الآخرة الشيء العظيم. فالمسألة مسألة معرفة وتربية، مسألة بصيرة، فمن اكتسب البصيرة قدم الأهم على المهم، ومن فقد البصيرة تشاغل بما هو دونْ ونحن نتشاغل بما هو دون ... بهذه الدنيا عن الآخرة لأن ليس لنا البصيرة الكافية، وليس لنا المعرفة التامة. فهذا يلقى علينا واجبا؛ وهو أن ندرس الإسلام، أن نتأمل كثيرا، أن نبني ثقافة في ضوء القرآن والسنة، أن نربي فينا بصيرة ترى الخير خيرا والشر شرا، وترمي بلحاظها إلى البعيد من دون أن تقف دائما عندما هو على بعد خطوات من موقف الشخص.
وإذا كانت السنة كلها رمضان فهي مرهقة للبدن، متطلبة جهدا، تأخذ من الإنسان ما تأخذ من بدنه، وتفرض عليه صبرا شديدا مقاوما، فمن أين له أن يتوفر على كل هذا الصبر؟ والكثير منا يعاني من صوم شهر رمضان وحده، الحديث يقول: (لو يعلم العبد ما في رمضان ...) الأمر يقوم على العلم وعندما تكبر الغايات وعندما يشتد الشوق إلى الغاية تكون الخطى ميسورة، ويكون الصعب سهلا، الذين يجاهدون بأنفسهم ويلاقون الموت سعيا على الرأس لا سعيا على القدم، ويطلبون الموت بإرادتهم في سبيل الله لا يعانون ما يعانيه الجبناء، ولا يعانون ما يعانيه الجاهل، وقد لا يكون الشخص شجاعا بطبيعته ولكن بما يعرف من مقام الجهاد، وبما يحصل له من تصديق بوعد الله يتحول إلى انسان شجاع