محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٨٣ - الخطبة الأولى
* الإيمان قاعدة السمو والتكليف.
أنت حين تؤمن بالله فأنت تؤمن بالمثل الأعلى المطلق الذي لا يساويه مثل أعلى وهذا يضعك على طريق السمو والرفعة، وحين تؤمن بالله تؤمن بواجب الشكر له، وتؤمن بأن عليك أن تضع الخطى على الدرب إليه، وهذا منشأ التكليف فإن الصعود مُكْلِفٌ، وإن البناء والأخذ بالذات إلى الآفاق العلوية يحتاج إلى صبر وجهد مضنيين. والصوم حسب قوله سبحانه (لعلكم تتقون) إنما هو ليقظة الروح وحيويتها.
الأحاديث المتلقاة عن طريق أهل البيت عليهم السلام وغيرهم تؤكد فوائد جمة للصوم، منها الاجتماعي، ومنها الصحي، ومنها غير ذلك، إلّا أن الآية الكريمة تركز على أمر واحد وهو (لعلكم تتقون) لا إلغاء لتلك الفوائد وإنما لأن الهدف الأكبر من كل عبادة، ومن كل جهاد ومن كل الحياة بناء هذه الذات، والتي لا تنبني قويمة، ولا تنبني متينة إلا على درب الله، ومن خلال منهج الله، والصوم وحدة في المنهج الإلهي التربوي العظيم. فلا يكونن لنا هدف من شهر رمضان أكبر من هذا الهدف (لعلكم تتقون) والنفس التي تتقي الله عز وجل تكون قد رأت من عظمته ما يجعلها تتقيه، وتكون قد سمت وشفّت ورقّت وطهرت بالمقدار الذي يؤهله لأن تتقيه.
ولا يقظة مع الصوم عن المباح، والإفطار على المحرم كالغيبة والنميمة والكذب وأكل المال الحرام. أما الكذب على الله ورسوله فهو مفطّر كما تعرفون. الصوم الذي يبني الروح، الذي تشفّ معه ... تتخلّص بمعونته بفضل الله عز وجل من كثير من قذاراتها، ومن كثير من ظلماتها هو صوم ليس عن المباح فقط، كالأكل والشرب، وإنما هو عن كل محرم، كيف تصفو نفس؟! وكيف ترقى روح تمتنع عن الأكل إلا أنها تمارس الغيبة، تقارف المحرم؟! فالصوم عملية مجاهدة واسعة على مستوى كل الأبعاد من أجل رقي الروح ... من أجل صفائها.