محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٧ - الخطبة الأولى
والشك فيها.
الخطبة الأولى
الحمد لله الذي أحاط بكلّ شيء علما، ووسِع كلّ شيء رحمة. أشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، ويميت ويحيي، وهو حيّ لا يموت، بيده الخير، وهو على كلّ شيء قدير. وأشهد أنّ محمّداً عبده ورسوله، من تابعه فاز، ومن كابره خاب، أرسله ربه الكريم بهدى الآخرة والأولى؛ فلا هدى لمن عانده، ولا نور لمن ضادّه. صلّى الله عليه وآله صلاة نامية زاكية دائمة.
عباد الله أوصيكم ونفسي من قبلكم بتقوى الله وأن لا نموت إلّا على هداه، ولا نقصد إلا إلى رضاه؛ فلا هدى إلا هدى الله، ولا نافع إلّا رضاه. من سعى من أجل الدنيا أعطاها أكثر ممّا تعطيه، ومن كان للآخرة سعيه أخذ من الدنيا مالا يفسده، وخرج منها بما يصلحه، وهذا هو غاية ما يرجى منها، وما يستهدفه عاقل فيها. وإنّ للدنيا لسانا فصيحا، وقولا بليغا في التعبير عن خسران من تعلّق بها، وسفه من ركن إليها، فما أكثر ما تبثّه من العبر، وما تقدّمه من العظات! ولكنّ أكثر الناس لا يعقلون.
اللهم صل على محمد وآل محمد، ولا تجعلنا بالدنيا من المخدوعين، ولا بآمالها من المغرورين يا رحيم يا كريم.
أمّا بعد فإنّه كما تحتاج دروب المادة إلى بصر يُهتدى به فيها، فإنّ دروب المعنى تحتاج إلى بصيرة تُمثّل ضياء السائرين في هذه الحياة، وكما أنّ البصر نعمة، وفقده خسارة، فالبصيرة نعمة وهي أكبر، وفقدها خسارة وهي أخطر. وكل مِن البصر والبصيرة هدىً من الله، ولا هدى إلا منه، والهدى يشهد بمقدّمة من الإنسان الزيادة والنقصان، وقد تحلّ الضلالة محلّ الهدى، وقد يطرد الهدى الضلال.