محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٥٤ - الخطبة الأولى
وعياً، والخير أو الشر شعوراً ونية وعزماً، والهدى نوراً وأنساً، أو الضلال حيرة ووحشة.
أما الأجسام فهي في تبدّل دائمٍ في هذه الحياة، وإلى تبعثرٍ وتبددٍ بعيد في الكون العريض بعد الوفاة. وقيمة ما يفنى، أو يذهب شتاتاً، وذراتٍ تائهةً في الكون، لا يُقاس بقيمة ما يدوم، والجسم طريق تلذّذ أو عذاب لا يضرّ بقيمة اللذة وثقل العذاب يُتلقيان من المرء أن يتبدّل، ما دامت الروح هي الروح، وهي التي تستقبل اللذة أو ينصبُّ عليها العذاب.
فإذا رأيت أن تعتنيَ بجسدك كثيراً، فلتكن عنايتك بروحك أكثر، وإذا وجدت أنّ عليك أن تنميَه، وتكافح عوائق نموّه وتحميَه، فإن عليك بدرجة أكبر وأكبر أن تطلب لروحك النمو، وتترصد لما يُعيق حركتها الصاعدة، وتحميَها من أسباب التوقف وأسباب الهبوط.
ولن تجد سبيلًا إلى السمو بروحك ما لم تعرف الله، وتنشدَّ إليه طاعةً وعبادة، وخضوعاً وخلوصاً، ولا عبادة لجسمٍ ما لم تكن وراءَها عبادة قلب وروح؛ فحركات الأجسام وسكناتها في صلاة أو حج أو صوم مثلًا لا تعرج بقلب غافل أو روح سادرة. فالعبادات كلها إنما تكتسب قيمتها في بناء الذات، والسمو بالمعنى وإن قامت في صورتها الخارجية على الجُهد الجسدي بحضور القلب، ومشاركة الروح، ويقظة العقل.
والقُرب الإلهي عند العبد إنما يكون بقدر إخلاصه العبادةَ لله، وخلوصها من الشوب؛ شوب الرياء والعجب وما كان لغير الله العظيم. وهذه نصوص في الإخلاص نستنير
بهداها في هذا الحديث المقتضب:
بعد المنزلة:
الإخلاص له منزلة بعيدة لا ينالها إلا الخاصة من عباد الله، هذه المنزلة التي يكون المرء فيها في كنف الله وعنايته الخاصة، التي تحميه من أن يفترس قلبه مفترس، ومن أن