محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٣٦ - الخطبة الأولى
يَدْعُونَ فِيها بِكُلِّ فاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولى وَ وَقاهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" (٥٧)/ الدّخان.
اللهم صلّ على محمد وآل محمد ونجِّنا من النار، واجعل مأوانا الجنّة، في ملأ المتقين المقربين المكرمين، في مقام أمين.
أيها الأخوة والأخوات في الإيمان: هذا حديث في رحمة الله، ورحمته وسعت كل شيء، والخاسرُ من فرَّ من رحمة الله، والتي لا يفرّ منها أحدٌ إلَّا إلى غضبه، ولا رحمةَ أبداً من دون رحمته.
ولو سألتَ أين رحمة الله؟ لجاءك" وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ الَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ" (١٥٦) الأعراف.
فما من شيء في هذا الكون مما كان أو يكون إلا وهو قائم برحمة من الله، فله تبارك وتعالى رحمة عامة بها قِوام الكون كله، وله رحمة خاصَّة، وعناية مخصوصة بعباده المتقين الذين يُؤتون الزكاة والذين هم بآيات الله يؤمنون.
ولسعة الرحمة الإلهية قال الإمام علي بن الحسين عليهما السلام في ما أتى عنه" أنا أقول: ليس العجب ممن نجا كيف نجا، العجب ممن هلك كيف هلك مع سعة رحمة الله".
لا يهلك هالكٌ وقد عمّت رحمة الله كل شيء إلا أنه أسقط نفسيته عن الشيئية، ولسوء تباعده عن الله، وتصفية منابع الخير في ذاته، وتحوله شيطانا مريدا، لا يحمل إلا شرا، ولا يمتص من الخير أبدا، ولا تقبل ذاته نورا. هنا يكون قد حرم نفسه من رحمة الله، ولا يفعل ذلك فاعل بنفسه إلا شاذ في الخلق، ساقط الذوق، أعمى لا يعرف مصلحة نفسه.
نعم العجب ليس أن يدخل الكثير الجنة، وليس بعملهم وإنما برحمة الله سبحانه وتعالى، العجب أن يوجد الإنسان الذي لا يبقي من نفسه خيرا، ولا يُبقي لها قابلية الاستفادة من الخير، ويأتي عليها بالظلمة حتى تتراكم الظلمة طبقات فلا تقبل نفسه النور.