محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٠٩ - الخطبة الأولى
وفيرة.
وتقول الكلمة عن أمير المؤمنين عليه السلام (الغفلة أضرّ الأعداء) وكيف لا تكون كذلك وهي مدخل الشيطان، ومدخل كل عدو يريد بصاحبها سوءاً؟! وكيف لا تكون كذلك وهي تعمي الإنسان عن رؤية ذاته، ومصلحة دنياه وآخرته؟! وهي تتركه فريسة الهوى بلا ناصح من عقل، ولا تأنيب من ضمير؟! كيف لا تكون الغفلة أضرّ الأعداء وصاحبها يسعى إلى مصرعه فرحاً، ويعطي يده إلى عّدوه آمناً، ويهرب من ناصحه متّهماً، ويسمع من شيطانه المقيت، ويولي بظهره عن ربه الشفيق؟! بلى هكذا تفعل الغفلة بصاحبها.
إنه ليطرب أن يكون على طريق هلكته، وألعوبة بيد أهل عداوته، وتقول الكلمة عن غرر الحكم المنقولة عن علي أمير المؤمنين عليه السلام (الغفلة طرب). والطَّرِب مأخوذ بطربه مستولى عليه منه، مخمور بسببه.
وإذا كان هناك من يُنسى وما يُنسى، ويسبب الغفلة للإنسان من شيطان، ومن زخارف دنيا، وزينة حياة، وكيد المفسدين في الأرض، وتجار الشهوات، ومؤمرات السياسة، وسفلة الناس، فإن هناك من يثير في نفسك اليقظة، ويفتح واعيتك على الأمور، ويكشف عن بصيرتك ستار الغشوات من رسل منذرين ومبشرين، وأئمة هادين، ومصلحين على مدى القرون، وآيات موحاة، وسنن اجتماعية هادية، وكلمات كونية ناطقة، ودروس حية تخاطبك بها الأحداث، وعبر وعظات تتحدث بها تقلبات الأحوال.
وفي نفسك من آيات الله ما يكفيك، وفي كلّ مفترق من مفترقات الأيام من منارات التذكير والتقصير ما ينقذك. فإذاً لا عذر لغافل، و لا حجة لسادر. وفي نهج البلاغة لإمام البيان والبلاغة عليه السلام (فأفِق أيها السامع من سكرتك واستيقظ من غفلتك، واختصر من عجلتك) النهج خ ١٥٣، حسب ميزان الحكمة ج ٧ ص ٣٦٠.