محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٥٥ - الخطبة الأولى
فعن جنة الآخرة" إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ...." ١١١/ التوبة.
وأحدنا يعطي لشيء من الدنيا زائلٍ فانٍ لا يعيش فيه الهناءة إلا قليلا، وهي هناءة ناقصة مجزوءة ... يعطي لهذا المطلب الرخيص عمره، مستواه العلمي، ومعرفة أيامه، وانتماوه الديني، وانتماوه الوطني، وانتماوه القومي، وكل غال ورخيص في حياته، فكيف بالواحد منا يطلب الدنيا بأغلى الأثمان وقد يكون من ثمنها عمره، وهو يطلب الآخرة بلا ثمن. جنة الآخرة لها ثمن وثمن كبير، وإذا كان للإنسان أن يعطي نفسه فإنه لا يعطيها إلا لها .... لايطيها إلا إذا جعلها ثمنا للجنة ... لرضوان الله، لأنه هنا إنما يعطي منها أياما معدودة، ويعطي منها حياة حيوانية منقضية ليستوفي حياة أبدية خالدة على مستوى البدن والروح، وليستوفي أغزر حياة، وأصدق حياة، حياة في جوار الله. فإذاً أنت هنا رابح، وحين تعطي نفسك ثمنا لأي شيء آخر غير الجنة ورضوان الله فلا بد أن تكون الخاسر الخسران المبين، لأنك بذلك تنهي وجودك المعنوي، وتنفصل عن رحمة الله، حيث تستهين بما عرض من صفقة، وتدخل في تجارة مع غير الله. ومن استهان بالتجارة مع الله، والله يعرض على العبيد المملوكين له، والمملوك كلّ ما في يدهم له سبحانه وتعالى تجارة، هي أن يعطوا من أنفسهم مدة قليلة في هذه الحياة، ليحيوا حياة أبدية سعيدة لا انقضاء لها، ولا كدر يشوب لحظة من لحظات الوجود فيها.
وعن جنّة الدنيا- ويومُها يوم انتصار الإسلام على يد صاحب الزمان عليه السلام- جنّة الدنيا لا تتأتّى إلا في يوم واحد، جنة الدنيا تبدأ بعد انتصار الإمام عليه السلام، وإنّ الطريق إليها على يده الكريمة شائكٌ مكلفٌ مرهقٌ. فعن أبي عبد الله (ع)" إنّ القائم عليه السلام يلقى في حربه ما لم يلقَ رسول الله صلى الله عليه وآله وآله وسلّم- يلقى عنتاً، يلقى شدّة، يلقى مقاومة عنيفة، يلقى فكرا فلسفيا مؤصلا وفي إطار الإسلام المنحرف.