محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٦٠ - الخطبة الاولى
في الأرض إلا بالواقعية، وله في أعماقة تعلق بالغيب، والإسلام ينظم لك العلاقة بين ما تعيشة من روح الواقعية وما تغنى به من الإيمان بالغيب.
ثانياً: القرآن والسنة يخاطبان فينا أصولًا فكرية نابتة في الفطرة، ويخاطبان فينا منابع خلقية تثرى بها- أيّ الفطرة-، وروحاً علوّية تتطلع إلى المطلق، وتتشوف إلى الانشداد إليه، هذا كلة مخاطب من القرآن في الإنسان. إنه- أيّ القرآن- يتحدث للإنسان باللغة التي يتلقاها بكل هذه الأبعاد في ذاته، بعقله، بحسه، بقلبه، بروحه، بتطلعه إلى المطلق، بكل ما فيه من حاجه وبكل ما فيه من ضر وره وبكل ما فيه من تقديس للهدف، القرآن لا يخاطب بعداً من أبعاد الذات الإنسانية، القرآن كله في خطابه يخاطب الإنسان في كل هذه الأبعاد، وبذلك يعتمد مدى فهمنا للقرآن على حيوية وحضور هذه الأبعاد كلها. لا يكفي أن تكون لك حيوية فكرية لتفهم القرآن، لا يكفي أن تكون لك شفافية روحية لتفهم القرآن، لا يكفي أن تكون لك خبرة ميدانية لأن تفهم القرآن، وبذلك يعتمد مدى فهمنا للقرآن على حيوية وحضور هذه الأبعاد كلها في تعاملنا مع لغته، حيث أن لغته تخاطب فينا كل هذه الأبعاد، فلا بدّ أن يكون لكلّ هذه الأبعاد حضورها، حيويّتها، لكي تفهم من لغة القرآن، الشيء النافع، الشيء الداخل في صورة من التكامل. ومن فقد الذوق الخلقي الرفيع، وخبا إشعاعه الروحي، وتضررت فطرته الإنسانية بالموبقات ولم يبق له إلا فكره الرياضي لن يسمع من القرآن إلا مخاطبة بعد واحد، ومركز واحد من مراكز التلقي لمضامين القرآن وإيحاءاته واشعاعاته، وهنا لا بدّ أن يخرج بفهم مجزوء مبتور، لا يمكن أن يمثل اطروحة الحياة في فهم القرآن. وهذا البعد عن أجواء القرآن لابد أن يؤثر على الفهم الفكري لمضامينه خاصة إذا انضاف إلى ذلك، التشبع بمفاهيم ورؤى ومقاييس الثقافة المعادية لثقافة القرآن.
ويظهر من هذا واضحاً عدم صحة الاعتماد على قراءات المتغرّبين ومقلدة الفكر