محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٠٣ - الخطبة الأولى
الدنيا هي مصنع إنسانيتنا من ناحية فعلية.
(لا تسبوا الدنيا فنعمت مطية المؤمن فعليها يَبلُغ الخير، وبها ينجو من الشر إنه إذا قال العبد: لعن الله الدنيا، قالت الدنيا: لعن الله أعصانا للرب).
والدنيا هنا تقول: أنا لست عاصية للرب، أنا مطيعة، أنا مسخّرة، أنا لي دوري المحدد من الله الذي لا أحيد عنه شعرة، أما أنت الذي تسب فأنت الذي أخذت بي يمينا وشمالا، وأنت الذي غيّرت دوري، وأنت الذي حرفت وظيفتي فأنت المجرم لا أنا. قالت الدنيا: لعن الله أعصانا للرب). وهو كأنه من أدب الخطاب وإلا فالدنيا لا تتحمل المعصية، إنما كلّ المعصية على كاهل العبد الذي أساء التعامل مع الدنيا، وخرج بالدنيا عن دروها الإلهي الكريم، دور البناء، دور الإعمار، دور تكميل النفوس، وتنضيجها على مسار الله سبحانه وتعالى.
والحديث الذي يجمع بين الطائفتين:
٢. (الدُّنيا دنياءان: دنيا بلاغ، ودنيا ملعونة) عن زين العابدين عليه السلام. من حيث الحيثية، من حيث الجهة. الدنيا واحدة في الخارج، لكن لها دوران، ننظرها بنظرين، نأخذ بها بنحو، ونأخذ بها بنحو آخر، فتنقسم دنيانا الواحدة إلى دنياءين: إحداهما مذمومة، والأخرى ممدوحة.
(الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ما كان فيها لله عزّ وجل) عن الرسول (ص).
والحديثان يصبّان مصبا واحداً وينجمع بهما بين الطائفتين السابقتين.
دنيا بلاغ: لها وظيفتها، دورها الإيجابي الكبير؛ دورها أن تكمّل نفسك فيها، جئت صغيراً من حيث الإنسانية؛ بمعنى أنك جئت بإنسانية وبمعرفة لله وبكمال على نحو القابلية والاستعداد فقط، الإنسانُ سلمانُ أو أبو ذر وُلِدَا استعدادا وقابلية كبيرين، لكنَّ سلمان لم ينصنع سلمان، وأبو ذر لم ينصنع أبا ذر بطلين في الإيمان، ورقمين ملحوظين في التقوى