محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٤٩ - الخطبة الثانية
للآخرين، وجوّ اجتماعي- أي مما يأتي فيه التحريم- نظيف يلفظ جانباً بكل شاذ وقبيح- ويرمي به-، ويكرم الإلتزام وأهله، ويرفض التسيب وذويه، في ظل نظام تشريعي يحرم اللمس والنظر من الأجنبي إلى الأجنبية عدا ما استثني، والخلوة مع الريبة كما في الفتوى، ويأمر بالحجاب وينهى عن التهتك، ويدعو إلى الزواج المبكر، ويوفر أسبابه، ويفتح طرقه، ويرفع عوائقه .. نظام تشريعي يضع العقوبة الرادعة الدنيوية والأخروية على الجريمة، ونظام قيمي يخلق ذوقاً اجتماعياً يحذر المجرم أن يرفض اجتماعياً بسببه
قارن بين قدرة المكلف على تحمل هذه التكاليف الثلاثة وغيرها من محرمات وواجبات في ظل الأوضاع العقيدية والتشريعية والخلقية والاجتماعية من صنع الإسلام، وبين قدرته على تحملها في ظل أوضاع مناوئة تماماً .. أوضاع تسقط قيمة الآخرة وثوابها في نفس الإنسان المسلم، وتجعل همه دنياه، وتستثير فيه شهواته إلى أقصى حد، وتملأ ساحته العملية بالمغريات الحرام التي تحاصر مشاعره، وتلهب دوافعه ... أوضاع تميع إرداته، وتذيب عزيمته، وتسقط مقاومته .. تحرمه من فرص العمل .. وتقتل فيه الأمل وتؤيسه من الوصول إلى الزواج والمسكن، وكل حلال، وتهدم أسس التربية الخلقية في بيئته ومجتمعه، وتغريه لبيع نفسه ودينه بالجنس الحرام والدرهم الحرام، وتقدم له من العروض ما يعلّمه فن الجريمة، وكيفية ابتزاز المال، وهتك الأعراض والولوغ في المحرمات. كل ذلك وما يزيد عليه أضعافاً مضاعفة تفعله الأوضاع المصوغة صياغة جاهلية في البلاد الإسلامية الطاهرة لتدنيس العقول والنفوس والأرواح.
وفي هذا الوسط الذي ينحدر بقيمة الإنسان ويسقط قواه المقاومة، ويحوّله إلى هم بطن وفرج، والذي يُفقد التكاليف كل شروطها الموضوعية الملائمة، ويخلق مناخات مضادة لها يصعب التكليف، وتعسر الأحكام الشرعية، ويثقل الإسلام على الناس ليتركوه ... وهذا ما يريده الظالمون في الأرض بالإنسان، يريدونه أن يترك الإسلام ليكون مطية