محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٢٧ - الخطبة الأولى
والدنيوية للمؤمنين إنما يعني طاعة فوق الواجب، وهي طاعة مكافأة من الله سبحانه بخير الجزاء وأكرم العطاء، وليس أنها عمل مجاني لا يتلقى صاحبه عليه أجراً كما هي الحالة في التعامل بين الناس. إنّ الإنسان يمكن أن يأخذ ولا يعطي، أما الله سبحانه فشأنه العطاء دون الأخذ، ولا يضيع عنده عمل عامل من ذكر أو أنثى.
ففي العلاقة مع الله عزّ وجل لا يوجد من الإنسان أي عمل من الأعمال المجانية، فكل عمل خير يعمله العبد مما وجب أو لم يجب يعمر داخله ويثري ذاته ويرفع من مستواه، ويجزى به سمواً في ذاته وعطاءً من نعم جليلة ليس لها من نفاذ.
ألوان من التطوّع:-
هناك ألوان من التطوّع، تذكر النصوص بعضها على نحو المثال وليس على نحو الحصر، (إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما) وهذا هو السعي الواجب، لكن ومن تطوع خيراً فان الله شاكر عليم، فهذا التطوع عمل لم يتعلق به وجوب، ولكن قد تعلّق به الاستحباب، أنت تستطيع أن تتركه فلا تعاقب عليه ولكن هل إذا جئت به ذهب مجاناً، لا (وَ مَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ) تطوعك يشكره الله وكم يقدر عطاء الشكر الإلهي؟! إذا شكر الله عبداً هل يبقيه شقياًّ بأي مستوى من المستويات؟ شكر الله العبد رفعه عز وجل إليه إلى ساحة رحمته والى مزيد من فيوضاته والى الكثير من إكراماته سبحانه وتعالى. وهو عليم، وليس من عمل خير بخاف على الله عز وجل. تعمل خيراً لأبيك، تعمل خيراً لولدك وقد يحل في نفسه شّراً، وقد يخلص واحد من الناس للحاكمين، ويذوب في مصلحتهم، ويسهر ليله ويكد نهاره من أجل مصلحة حاكم من الحكام، ألا أنه يحمل في الأخير على سوء الظن، فيجزى عكس ما كان عليه أمله، أما الله فلا يأتي في علمه خطأ، وكتاب ربي لا يضِّل ولا ينسى.
في آية أخرى (و من تطوع خيرا فهو خير له) أنت تجني ما زرعت، وتحصد ما غرست،