محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٢٨ - الخطبة الأولى
(وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ومن تطوع خير في الفدية، فدية العاجز عن الصيام هي مد من الطعام لكل يوم، هذا هو حد الواجب، وإذا أضفت إلى المد مدّاً، فقد تطوّعت، وتطوّعك هذا لا يعني المجانية على الإطلاق، إنما يعني زيادة خير على خير، ويعني تعاملًا لائقاً مع المحسن العظيم، ويعني رصيداً ضخماً يأتي مقابل هذا العمل الضئيل القليل.
(الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ) العبد المؤمن لا يجد إلّا القليل من الصدقة يسهم به في سبيل الله، فيصغر في عين غير المؤمن لقلة ما يعطي وهو عند الله عظيم، هذا القليل الذي لا يطيق المعطي غيره، يصدر عن نية مخلصة فيكبر عمل الكثيرين وان زاد عطاؤهم، ربما كسب العبدُ جنة الخلد بعشرة فلوس. وقد تكون هي خاتمَة عمله لتكون مدخله إلى جنة الرضوان.
عطاء مستوعب دائم:-
(فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ) مثقال الذرة هذا قد يكون من عمل الخير الواجب وقد يكون من العمل الخير المستحب، مما يسمى الإتيان به في الشريعة تطوعا، خطوة واحدة تريد لها أن تنقلك إلى عمل صلح، إلى أمر بمعروف ونهي عن منكر، إلى مسح دمعة يتيم، إلى ما شاء الله من أعمال البرّ والإحسان، تنساها، وقد تجد يوم لا ينفع مال ولا بنون إلّا من أتى الله بقلب سليم أن ليس لك ما ينقذك من هول يوم القيامة إلا هذه الخطوة (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ) عمل الخير من واجب وتطوع يأتي في سياق سباق شريف، سباق كريم، سباق جاد، سباق العقلاء، سباق الحكماء، سباق الأفذاذ، سباق الأنبياء، سباق الأولياء، سباق أهل الرؤية الكونية الفسيحة الصادقة، سباق الأنفس الطاهرة، سباق العقول المتوقدة، سباق النظرة الثاقبة، سباق أهل التقييم الدقيق لدور