محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٤١ - الخطبة الأولى
فوت، ولا تتوقع من الخير إلا المزيد، أبواب الشر عنك موصدة، ومشاعر السوء لا تطرقك، محيطك كله سرور وكله نزاهة وكله طهر ورقي ونقاء، و لذائد فوق ما تذهب إليه التصورات، وفوق مقدور هذه الحياة.
ولذائد الروح والعقل والقلب والنفس والبدن، دائمة مجتمعة راقية غزيرة بما لا تطيقه هذه الحياة تنتظرك في الآخرة بثمن قد يكون أقل مما يدفعه الكثيرون من أهل الدنيا وطلابها، لمسكن وضيع، ولذة ضئيلة عابرة وشهرة خاسرة، من أثمان من بينها الأمن والشرف وحتى البقاء الذي من أجله يُشترون، ولن تتأخر عليك مواقعة النعيم إلى يوم يبعثون، فإن نعيماً من نعيم الآخرة يباكرك أول ما تلقاها، بما ينسيك لذات الحياة، وأنس الأهل في الدنيا، وشوق الأحبة فيها.
وهذه نصوصٌ عن آخرة الصالحين، منها ما هو كتاب، ومنها ما هو حديث، ولن أقف عند النصوص كثيراً، فإن النصوص طافحة بمعانيها سريعة النفاذ إلى القلب.
هي الأحق بالعنوان: الآخرة أحق بعنوان الحياة ..
كما سبق حياتنا هذه بمقياستها بالآخرة، صورة حياة، حياة مخففة، أما الحياة بالمعنى الأتم الأشد، الوافي الوافر، الغزير البالغ، فهناك في الآخرة ..
تقول الآية الكريم (وَ إِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ..)
تريد أن تحيا؟ تريد أن تتمتع بالحياة؟ يهمك أن تسعد بلذائذها؟ بنعيمها؟ أن تذوق الحياة الراقية في أسمى معانيها وأغزر مستوايتها؟ .. اقصد بقصدك الآخرة.
مع جنة المتقين ..
(وَ سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ)
ما هي مساحة السماوات؟ لا يملك البشر لها حساباً، قاسوا مسافاتها بالسنوات الضوئية، فأعياهم الحساب .. على أنه (وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ..)