محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٤٣ - الخطبة الأولى
ملكها شيء، أما هذا وهو من أدنى أهل الجنة منزلة ... (لو نزل به الثقلان الجن والأنس لوسعهم طعاماً وشراباً ولا ينقص مما عنده شيء) وملك الله لا ينفذ، وخزائن الله لا تحصى، وكيف يحد ملكُ اللامحدود؟! وكيف يحد عطاء المطلق؟!
في الرواية عن علي عليه السلام (فلو رميت ببصر قلبك نحو ما يوصف لك منها، لعزفت نفسك عن بدائع ما أخرج إلى الدينا، من شهواتها ولذاتها وزخارف مناظرها، ولذهلت بالفكر عن إصطفاق آشجار غيبت عروقها في كثبان المسك على سواحل أنهارها- ويستمر الحديث عن عليه السلام واصفا جمالا هناك يبهر، وملكاً يأخذ القلوب، وزينة لا تتملك نفس الإنسان نفسها أمامها لو كانت على ما هي عليه من وزن الدنيا .. لأننا هنا حينما نرى جمالًا فوق ما نتصور نصعق .. وحينما نقف أمام قوة هائلة فوق الحساب يغمى علينا .. لا بد أن تتضاعف القوى هناك ونكبر حتى نتحمل لذائذ الآخرة، يستمر الحديث قائلًا-
" فلو شغلت قلبك أيها المستمع بالوصول إلى ما يهجم عليك من تلك المناظر المونقة لذهقت نفسك- وربما لزهقت نفسك ولو كانت في البحار لذهقت .. وإن لم أجد معنى في بعض الكتب التي راجعهتا لذهقت- شوقاً إليها، ولتحملت من مجلسي هذا إلى مجاورة القبور استعجالًا بها .."
ينصرف نظرك عن الدنيا بالكامل وتنشد إلى القبر، إستعجالًا لما في الآخرة .. فليتنافس المتنافسون ..
الدنيا درجات وفيها تفضيل، وفرق هائل بين من لا يجد اللقمة هنا وبين من ينفق مئات الألوف من الدولارات أو الدنانير في الليلة الواحدة .. هذا الفرق الذي نستكبره ضئيل حقير بالنسبة للتفاوت بين درجات الآخرة ...
(فأولئك لهم الدرجات العلى و للآخرة أكبر درجات و تفضيلا).