محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤١٢ - الخطبة الأولى
عباد الله اتقوا الله، وتذكَّروا أنَّ ما من نعمة إلا من عنده، وما عصاه أحدٌ إلا بإساءة النعم من فيضه، وما أطاعه أحدٌ إلا بما في يده من آلائه، والتوفيق من فضله، فإن يُذنب أحدنا فبتحريف النعم، وإن يستقم فبتوفيق مضاعَفٍ من المنعِم.
اللهم صلّ على محمد وآل محمد، واجعل نعمك عندنا مشكورة، وأياديَك مقدَّرة، ولا تجعل نعمك عندنا على أيدينا نِقَماً تنتهي بنا إلى غضبك، وتصير بنا إلى لظى نيرانك يا كريم يا رحيم.
أما بعد فعودة للحديث عن الدُّنيا في كلمات من أُمِّ الحِكَم، عن مصادر الحكمة الذين لا يُجارَون علماً ولا هدى ولا حكمة.
هكذا تفعل الدنيا:-
" .... فارفض الدنيا فإنّ حبَّ الدنيا يُعمي ويصم ويبكم ويذلِّ الرقاب" (عن أمير المؤمنين عليه السلام).
" قال الله لداوود: يا داوود. احذر القلوب المعلّقة بشهوات الدنيا فإن عقولها محجوبة عنِّي".
هكذا تفعل الدنيا، حبها يذهب بعقل الإنسان، حينما يُعمي لا يعمي البصر الحسّي إنما يعمي البصيرة، والبصيرة أغلى، وحينما يصم يصم سمع القلب، وحينما يبكم يبكم صوت الفطرة في الذات، معنى ذلك أن الدنيا لا تبقي من إنسانيتنا شيئاً حين يكون تعلّقنا بها، ولو أعطى أحدنا حبّه الدنيا حتى حلالها فضلا عن حرامها لصرفته عن بناء نفسه، وأعمته عن رؤية ذاته. الدنيا يجب أن نبقيها دائما كما تقدم جسرا للآخرة ومزرعة خير لها.
القلوب التي تتعلق بشهوات الدنيا عقولها تفقد الرؤية لله، (.. عقولها محجوبة عنّي) كل عقل قادر على أن يرى خالقه، وليس شيء أقدر على رؤية الخالق من العقل، ولكن هذا