محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٣ - الخطبة الأولى
رحمة، ونيل لكل خير، ودفعٌ لك لشر، ومن حلت عليه نفحته، ركبه الشر، ولم يبق له خير، ولا منقذ له من عذاب الله الشديد المقيم. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له. خالق لا خالق معه، رازق لا رازق غيره، مدبر لا مدبر من دونه، قدره جار، وقضاؤه غير مردود. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بلّغ فصدق، ودعا فأخلص، وجاهد فاستقام، وأرشد فهدى، ودلّ فأصاب. صلى الله عليه وآله الأطياب.
عباد الله اتقوا الله فلا نجاة لأحد إلا بتقواه، وقرّت عين من اتقى فقد قال سبحانه ( (هذا ذكرٌ وإن للمتقين حسن مآب. جنات عدنٍ مفتّحة لهم الأبواب. متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة وشراب. عندهم قاصرات الطرف أطياب. هذا ما توعدون ليوم الحساب)) وهو يوم الطامة ويوم القارعة ويوم الفزع الأكبر لمن عصى وجحد وكابر ودخل في حرب مع الله ورسوله والمؤمنين. وإن رزق الله لعباده المتقين في تنّوع وتدفق دائمين ( (إن هذا لرزقنا ماله من نفاذ)) ٥٤ ص. وما اتقى من تكبر وطغى، ومن تهاون وعصى. ومن أفتى بغير حق بَعُد ما بينه وبين التقوى، وقطع الصلة بينه وبين طريق الطاعة و الزلفى.
أما بعد فإن العلوم والمعارف على كثرتها وتنوعها وتفاوت درجاتها إنما تطلب من أجل غيرها، والمعرفة الوحيدة التي تطلب لنفسها وتمثل غاية الغايات بلا غاية وراءها هي معرفة الله معرفة حقة، وإن تكن المعرفة المحدودة لغير محدود، فغاية السعي أن ينعم القلب برؤية ربه، وتنتهي به المعرفة إلى معرفته، فحينئذ ينتهي الطلب إلا من مزيد معرفة، وجديد رؤية له سبحانه، وترضى النفس، وتقر العين، وتهنأ الحياة، ويطيب الوجود. إذا كان المطلوب للإنسان أن تغنى نفسه، ويبلغ أعلى رقيّه، ويخرج من الخوف المحطّم، والوحشة القاتمة، والشعور بالفناء، إلى غزارة الشعور بالأمن، والأنس والبقاء، فإن معرفته لربه توفر له كل ذلك، وتتجاوز في عطائها حدود ما يتصوّر.
ونقف مع إنارات لبعض النصوص في هذا الموضوع الأهم على الإطلاق. إنه أي معرفة