محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٧٣ - الخطبة الأولى
يستقبلها، والهدف الذي كان من أجله الإنسان، وكانت من أجله الحياة، وكلّ ذلك معلوم لله سبحانه على حقيقته بما لا يتوفّر للإنسان ولا لأيّ مخلوق آخر. وتأتي التشريعات الإلهية لهذا المخلوق متناسبة مع الحجم الحقيقي لهذه الأمور وغيرها مما له دخل في موضوع التشريع، وما تهدف إليه تربية الإنسان مما تدعو إليه فطرته ويحقّق سعادته. فالتشريع الإلهي مقاس على قدْر الإنسان وطاقاته وحاجاته واستعداداته وغايته. ٤
ويتحدث المصدران الإسلاميان العظيمان الكتاب والسنة عن المرأة الإنسان، ويقدّمان عنها تصوراً يؤكّد على اخوّتها للرجل، والتقائها معه في أصل واحد وحقيقة واحدة، وعلى قيمتهما المشتركة تعزيزاً لموقعها الإنساني في المجتمع الذي يعمل على صياغته، ودفعاً لتوهم الفارق في الحقيقة حين يختلف الدور الوظيفي بين الاثنين في بعض الموارد مما يقتضيه الفرق بين طبيعة الذكورة والأنوثة، وهو أمر آخر لا علاقة له بمستوى إنسانية الإنسان، وإنما هو من باب التفاوتات الحاصلة في صفّ الرجال نفسه، أو في صفّ النساء نفسه مما يفاوت بين رجل وأخر، وامرأة وأخرى في تفصيلات الأدوار الوظيفية المختلفة.
أصل واحد:-
نقرأ هذه الآيات الكريمة في انطلاق الرجل والمرأة من أصل واحد من حيث التكوين" يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثى وَ جَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَ قَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" ١٣/ الحجرات. ٥.
فأنتم أخوة من حقيقة واحدة، وأصل واحد، وانقسامكم إلى ذكر وأنثى وتعدُّدكم شعوباً وقبائل لا للفُرقة والتناحر، وإنما للتعارف والتكامل ٦. أما القيمة الفعلية من الناحية الأهم ومن حيث المعنى الكبير والانسانية الواحدة للذكر والأنثى، لهذا الشعب أو ذاك، لهذه الأمة أو تلك، لهذا الفرد أو لأخيه الفرد الآخرفميزانها التقوى ومدى الانشداد إلى الله وتكوينُ الشخصية في ضوء أسمائه الحسنى.