محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٨٦ - الخطبة الأولى
الروح التي عبئت بالأجواء المساعدة، ولأنه التجربة التي تتكثف فيها العبادة والتي نودي فيها المؤمنون يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام فُرض، ثبت، وجب ولأنه الشهر الذي تغل فيه الشياطين، ويكثر فيه نزول الملائكة كما قد يكون في الأخبار، كان يوم الصوم غير يوم الفطر، ومسؤولية يوم الصوم أكبر من مسؤولية يوم الفطر على أن يوما ما من العمر لا يستهان فيه بالمسؤولية أمام الله سبحانه وتعالى، ونفس الأتقياء دائما في نظر إلى الله، وتعيش الشعور بمراقبة الله. لكن أنتم تجدون أن النفس تكتسب فيها الروح حضورا أكبر، والشعور بالمحاسبة في شهر رمضان للكلمة، للنظرة، للهاجس تكون أشدّ، لا أدري من أين يأتي هذا الشعور الخاص عند الصائم سواء كان صومه في شهر رمضان أو كان صومه في غير شهر رمضان. من أين يأتيه هذا الشعور المرهف؟ هذا الحس الدقيق، ذو الحضور الفعّال، شعور الروح، شعور القيمة الإنسانية، شعور الارتباط بالله، شعور الآخرة. كأنّ هناك ربطا تكوينيا بين يوم الصوم وبين حضور الروح وفاعليتها، وهو مما يزيد في المسؤولية، لأن التحمل للمسؤولية يكبر عند الإنسان حين تحضر روحه، وحين تكون هذه الروح أكثر درجة في الصفاء.
٥. عن رسول الله (ص): أيسر ما افترض الله على الصائم في صيامه ترك الطعام والشراب.
هذا الذي نستكثره ونستعظمه هو أيسر ما افترض الله على الصائم في صيامه، وأما الأمور الأخرى فتعني ملاحقة كل جارحة لتوضع على الطريق المرضي لله من بصر، سمع، يد، رجل، لسان، بشر، جلد، أي جزء، أي حاسة، أي لحظة، لا بد من ملاحقتها لتكون على طريق الطاعة لله عز وجل وطلب رضوانه. صوم أعمق هو الصوم عن الاشتغال بغير الله في داخل الإنسان، أن يكون قلب الإنسان مع الله، روحه متجهة إلى الله، الجمال الذي يشغله جمال الله، الهيبة التي تأخذ عليه كل أركانه هي هيبة الله، الرضا الذي لا يشتغل