محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٥٣ - الخطبة الثانية
وقد أدى تسييس الدين على يد الدولة الأموية والعباسية إلى وجود نظرية تؤدى إلى نفى العدل الإلهي، وأخرى تنكر عصمة الأنبياء، وثالثة تأمر بطاعة أولي الأمر مطلقاً، وتحرم الخروج على السلطان الظالم ظلماً فاحشاً، والمخالف لأحكام الإسلام، والمناقض عملًا لأغراضه، وان شرب الخمر، وزنى، وارتكب أبشعب المنكرات. وأوجد تسييس الدين من برّر قتل الإمام الحسين عليه السلام، وأسقط الرأي الفقهي لمثل الإمام جعفر الصادق عليه السلام، وبهذا التسييس بدّلت مفاهيم إسلامية كثيرة، وطمست أحكام شرعية، وتحول المنكر معروفاً. والمعروف منكرا.
أما موقف علماء الإسلام من مسألة السياسة والدين فلا يُتوقع فيه أن يختلف عن موقف الإسلام؛ فرؤيتهم رؤيته من حيث إن السياسة حقل من حقول الدين، وساحة من ساحات نشاطه وتربيته، وحيث لا يكون توافق تام بين السياسة والدين عملًا فدورهم التبصير، والتذكير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر ما استطاعوا، وهم أكثر الناس تقديراً لحرمة الأنفس والأعراض والأموال، وتجنيباً للمجتمعات عن الفتن والاحتراب والخراب، وأشد الناس مراعاة لأحكام الله في هذه الموارد وغيرها، وأعرفهم بمسائل التزاحم، وانقسام الأمور إلى مهم وأهم على ضوء الشريعة، وكون التقديم للأهم على المهم، وأطلبهم للحافظ على الأُخوَّات الإنسانية، فضلًا عن الإسلامية، والوطنية. وهم مدركون لما عليه قيمة الدعوة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، وما عليه خطورة العنف وإثارة القلاقل ...
كل هذا صحيح وثابت ولا معدل عنه، وهم في نفس الوقت لا يقبلون أبداً، ولا يجوز لهم بتاتاً أن يجعلوا من أنفسهم أو يُتخذوا واجهات لتمرير أي مشروع لا يرون فيه موافقة الشريعة ومصلحتها المقدمة على كل المصالح، وليسوا مستعدين مطلقاً أن يكونوا وسيلة دعائية لغير ما يطمئنون بأن فيه مرضاة الله الملك الحق المبين، ويجب أن يكونوا يقظين