محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٩٦ - الخطبة الأولى
تسقط، وليس من خلل في خلقتك أن تنتهي إلى سفل، حين تنتهي إلى سُفْلٍ. فإنما تنتهي بإرادتك وتفريط منك، وعلى خلاف ما أهلت له ورزقت من الاستعداد ما يبلغك إياه، لقد ( (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)) هذا وضعك فهو مؤهل للرقي والسير الصاعد.
( (ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ)) هذا داخلٌ أيضاً في المُقسم عليه، المُقسم عليه ليس الجملة الأولى فقط في الظاهر، وإنما القضية الثانية أيضاً داخلةٌ في المُقسم عليه، ويُقسم الله العزيز الحكيم بكل ما تقدّم من أقسام، والقسم المؤكد على أن هذا الإنسان يرد إلى أسفل سافلين، يسقط إلى ما لا يسقط إليه الحيوانن، ينتهي إلى شيء خسيس دنيء قذر، إلى وجودٍ ضار في الحياة، إلى مادة ينصبّ عليها العذاب في الآخرة، إلى حجرٍ من أحجار جهنم ( (وَقُودُهَا النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ)) ..
الإنسان من وصفه أنه على أحسن تقويم، مع هذه الاستعدادات الهائلة، مع هذا الوجود المؤهل الكبير إلا أنه ينتهي في الأخير إلى أسفل سافلين، إلا أن يتوفر على هذا الشرط، شرط أن يثبت على منهج الله في داخله وفي خارجه ( (إلا الذين آمنوا)). خلقة ومنهج، قابلٌ وشرط، أنت صحيح قابلٌ للكمال لكن لا يمكن أن تبلغ كمالك على طريق غير طريق الله، ولا من خلال منهج على خلاف منهج الله، ما هو منهج الله؟ منهج الإيمان، الإيمان القائم على الفطرة القائم على العلم، القائم على الموضوعية، القائم على صفاء الداخل، على سلامة جهازك الروحي ... أنت عندما تحافظ على أشرف أجهزة وجودك وهو جهاز الروح والعقل، بألّا تسد منافذ الروح بالقذارات، و بألّا تسد منافذ العقل بالجرائم، فأنت لا بد أن تهتدي بهدى الإيمان، وأنت لا بّد أن تؤمن بالله العلي العظيم، وأنت لا بد أن تشدك روحك، و لابد أن يشدك عقلك، ولا بد أن يشدك وجدانك إلى الكمال الإلهي، فتكون حينئذٍ المؤمن المخلص في إيمانه، وهذا الإيمان في