محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٩٥ - الخطبة الأولى
أما بعد فنقرأ سورة التين لنقف عندها متعلمين:
( (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ وَ التِّينِ وَ الزَّيْتُونِ وَ طُورِ سِينِينَ وَ هذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ))
هذا قسمٌ من الله عز وجل بعدد من الأمور، منها ما ظاهره أنه مادي، ومنها ما ظاهره أنه معنوي، وربما أريد للقسم أن يكون بما يجمع بين المادة والمعنى، وفي كل شيء لله آية.
( (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْناهُ أَسْفَلَ سافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ فَما يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ))
كم من تأكيدٍ في المُقسم عليه؟ كم أكّد الله سبحانه وتعالى على القضية التي أقسم عليها، القسم مؤكدّد، اللام الداخلة على الجملة مؤكّد آخر،" قد" التحقيقية مؤكدٌ ثالث، إسناد الفعل" خلقنا إلى ضمير الجمع وهو يعني هنا العظمة والعزة والإحاطة والخبرة، وكل ذلك يعني أن المقسم عليه حقٌ وصدق، لأن المًقسم عليه هو فعل القادر الحكيم العزيز المحيط العليم الخبير، فحشد من المؤكدات هنا .. كل ذلك من أجل تثبيت هذه القضية في وعي الإنسان، في قلبه، في مورد سلوكه، و عسى أن يهتدي، عسى أن يتذكر، عسى أن يرشد، عسى أن يستثمر حياته فيما ينبغي أن تُستثمر فيه الحياة.
ما هو المُقسم عليه؟
( (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)) أنت خُلقت بيد القادر المبدع في أحسن تقويم، لك من القوى والطاقات والمواهب، ومؤلفات الوجود ما ينتهي إلى وجودٍ متناغم متناسق، إلى منظومة تعيش التلاحم، تعيش التوافي، تعيش التناغم، هذا أنت بطبعك ويبقى شرطٌ واحد لبقاء هذا التناغم، وهذا الائتلاف، وهذه الاستعدادات الهائلة التي من خلالها أن تبلغ ما لا يبلغه مخلوقٌ آخر
( (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ)) فليس من ثلمةٍ في وجودك ولا نقصٍ أن