محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٧٢ - الخطبة الأولى
وبهذا يتوقع طبيعيّاً ومنطقياً من التشريع الاسلامي أن تكون القاعدة فيه الاشتراك في الأحكام بين الرجل والمرأة، مع الاختصاص الوظيفي في بعض الموارد.
ودراسة أيّ تشريع في دَّقته وقيمته لا يمكن أن تكون صحيحة إلا في ضوء ملاحظته بالقياس إلى عدد من الأبعاد؛ وهذا بالنسبة للأنظمة التشريعية التي تنطلق من نظرة كونية محدّدة، وتحديدات للموضوعات الرئيسة المتّصلة بعملية التشريع كموضوع الإنسان، والحياة والآخرة، والفرد، والمجتمع، والحرية المطلقة للإنسان وسيادته الكاملة على نفسه، والهدف من هذه الحياة، وما هو المهم والأهم في الإنسان. ٢
والمثل الحي لهذا النوع من الأنظمة التشريعية هو النظام التشريعي الاسلامي. وأما الأنظمة التشريعية السطحية السائدة فهي تتجاوز كثيراً من هذه الأسئلة، وتشتغل بملاحظة الحالة السطحية لواقع الاجتماع في مقطع زمني قصير المدى، وتهدف إلى ضبط العلاقات الاجتماعية بما يتناسب مع هذا الواقع أو بما يتماشى مع رغبة مصادر الحكم في المجتمعات، وتستند إلى الأعراف الغالبة ودساتير مختلفة لم تقم على نظرة كونية متكاملة.
إنّ التأصيل للتشريع بنظرة فلسفية للكون والحياة والآخرة والإنسان والهدف الأقصى له، ومدى سيادته على نفسه، وما يمكن أن تناله معرفته، ومدى حاجاته، وما عليه خصائص ذاته إما أن يكون مهملًا تماماً عند المشرّع الأرضي وإمّا منقوصاً، أو مضطرباً، أو مستعاراً من هنا وهناك، وهو في كلّ الأحوال لا يمكن أن يمتلك الدقّة والاستيعاب والمعرفة الصائبة بالكامل من إنسان علمه محدود متغيّر لا يثبت على حال.
أما خالق الكون والإنسان فهو خبير بما أبدعته يداه، محيط علماً بكلّ ما خلق، فتشريعاته لا يتخلّلها قصور ولا نقص على أيّ مستوى من المستويات. ٣
وإنّ القرآن الكريم والسنة المطهَّرة يسبق فيهما التشريع للإنسان تقديمُ تصوّر متكامل عن تكوينه ودوافعه وهواجسه وقواه، وواقع الحياة الدنيا التي يعيشها، وطبيعة الآخرة التي