محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤١٤ - الخطبة الأولى
لا ينال"." إنه ما سكن حب الدنيا قلبا- على خلاف المكتوب في المصدر الذي رأيت، والقراءة الصحيحة (قلباً) كما قرأتها- إلا التاط بثلاث: شغلٌ لا ينفذ عناؤه،- طالب الدنيا دائماً في كدح، حتى في فراشه وهو يكدح فكرياً من أجل الدنيا ويشتعل هم الدنيا في داخل نفسه ويدخل في حساباتٍ دنيوية لا تفتر- وفقر لا يدرك غناه،- هذا المليونير فقير فقرا لا يدرك غناه، الفقير بما في يده وهو يتطلع إلى مائة دينار حين تتيسر له المائة دينار يغنى، أما الفقير في نفسه والذي يطلب كل الدنيا فإن هذا الفقر لا يغنيه شيء؛ لأن الدنيا لن تكون كلها بيد واحدة، على أن الطامع في الدنيا لو تضاعفت له خمس مرات وأكثر لم يشبع، فهنا فقر مشكلته أنّه لا غنى معه- وأمل لا ينال منتهاه"." من كانت الدنيا همته اشتدت حسرته عند فراقها" وهو تعب في كلّ دنياه، تعب عند مفارقته للدنيا كذلك. فرقٌ بين سلمان المحمدي الذي لا يترك إلا ما تحتقره العيون- وهذا الرجل وهو على هذا الحال يحاسب نفسه عند الإحتضار على أن ما تركه لا تقصده عين بنظرة لضآلته وسقوط قيمته- فرقٌ بين هذا الرجل وهو يغادر الدنيا، وبين رجل رفهت الدنيا بيده، وهو يرى الدنيا كل جنته، وهو منشد إليها تمام الإنشداد هنا تكبر الحسرة ولا شك.
لا ترخص نفسك الغالية، أنت خليفة الله، أنت من سُخِّرت له السماوات والأرض، من أجل العبد الصالح والناس الكمل خلقت هذه الدنيا، وحين يبيع أحدنا نفسه بالدنيا فقد أرخصها إلى حد الإسفاف والسفه، الدنيا ما هي؟ ذهبٌ، فضةٌ، خيلٌ، حقول، طائرات، جمال مادي، إلى غير ذلك .. هذا مخلوق للإنسان. حين يتحول الإنسان عن مكانته العليا من بين كل هذه الكائنات ليبيع نفسه بثمن بخس منها، ماذا فعل بنفسه؟ تقول الكلمة الأتيه عن أمير المؤمنين عليه السلام أين الأحرار الذين لا تشتريهم الدنيا؟" ألا حرٌّ يدع هذه اللماظة- بقية الطعام في الفم، دنيانا كلّها عند أمير المؤمنين عليه السلام هي كبقية الطعام في الفم- لأهلها- أي الساقطين، أي أهلها السفهاء؛ الذين فقدوا وزنهم- إنّه ليس