محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٤٠ - الخطبة الأولى
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اصطفاه لما أولاه من نعمه، وقدمه لما وهبه من مننه، صلى الله عليه وآله وزادهم شرفاً وكرامة.
عباد الله أوصيكم ونفسي الأمارة بالسوء بتقوى الله، وأن لا نقدم في سرنا على ما نستحي منه في العلن، وأن لا نكون في محضر الرب الذي لا يغيب، أجرأ منا على القبيح في محضر العبيد، وأن لا يشغلنا جمال مخلوق عن جمال الخالق، ولا تبهرنا قوة مملوك عن قوّة المالك.
اللهم صل وسلم على محمد وآل محمد، وارزقنا توفيق الطاعة، والبعد عن المعصية، وجملنا بالهدى، وحصنا عن الغوى يا كريم.
أما بعد ..
فالحديث عن الآخرة؛ والحديث عنها كما يخيف يطمئن، وكما يرعب يهدئ، فمن الآخرة صور مفزعة، ومنها صور مشوقة، و أخبارها كما تنذر تبشر، وفيها العذاب الأليم، والنعيم المقيم، وحياتنا مقيسة إليها حياة مخففة، أما هي فدار تتدفق بالحياة، وتثرى بكل ما هو ألذ مما طاب وطهر ثراء كبيراً عريضاً، وتغنى بشعور الحياة، وشعور الكرامة وشعور الرضا، وشعور الأمن والامتداد، وطمأنينة البقاء، ويقين المعرفة، غنىً لا تعرف له مثيلًا هذه الحياة.
آخرة الصالحين سعادة بلا شقاء، وحياة بلا موت، وفرح بلا حزن، وطمأنينة بلا قلق، وأمن بلا خوف، وهناء بلا شوب، ورقي بلا إنحطاط، وغبطة بلا كدر، وخير بلا شر.
الإنسان لا يوافيه فيها ما لا يريح، أو يفوته ما يؤنس من الجميل النقي الذي لا قبح فيه. أنت في الآخرة، إذا كنت هنا من الصالحين ملكٌ لا يعدلك أكبر ملوك الدنيا، وإن لم تكن هناك من ملوكها، وأنت هناك خالد لا يلم بك شعور الفناء، ولا يتهددك موت ولا