محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٣٨ - الخطبة الأولى
الله.
وإذا كان الأول يسعه الأوبة، وتشمله التوبة، فكيف بالثاني؟! فلا بد له أن يكبر عنده الأمل في الرحمة، وتتمتّن الثقة في العفو والتجاوز، ويطمع في الإحسان والتفضُّل، على ألا يجره الطمع في المغفرة إلى التمادي في الخطيئة، ولا يوقعه رجاء العفو والإحسان في التجري وسوء الأدب مع المولى، فإن الله شديد العقاب قويٌ متين.
والمؤمنُ ثقةً بربه العليّ القدير، العليم الخبير، الرحيم الودود اللطيف المتمنن يستغني به عمن سواه، ولا يجد فقداً وهو يجده، ولا وحشةً وهو يراه؛ ففي الدعاء عن زين العابدين عليه السلام" يا من هو أبرُّ بي من الوالد الشفيق، وأقربُ إلي من الصاحب اللزيق أنت موضع أُنسي في الخلوة إذا أوحشني المكان، ولفظتني الأوطان ....".
ولذلك، لا يعادي المؤمنُ ربَّه في أحد، ويعادي المؤمنُ كلَّ أحد في الله.
ولمن يكون اللجأ؟! وبمن يكون الأنس والغنى والاطمئنان إذا لم يكن بأقوى قوي، وأغنى غني وأرحم راحم وأكرم المعطين؟!
وليس على العبد إلَّا أن يحسن، ولا يظلم نفسه بظلم الآخرين، ومعصية الله ليكون من أهل رحمة الله الأقربين" ... إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ" (٥٦)/ الأعراف.
ومما تُستنزل به الرحمة أمور منها ما تتضمنه هذه النصوص:
تريد رحمة الله؟ تشعر من نفسك بالحاجة الشديدة إلى عناية الله، وأن ينقذك الله؟ أن يحول سوء حالك إلى أحسن حال؟ اسلك طرقا هذه منها:
" فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ اعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَ فَضْلٍ وَ يَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً (١٧٥) النساء.
" بذكر الله تستنزل الرحمة"، أكثر من ذكر الله يرحمك الله،" بالعفو تستنزل الرحمة"، اعف عن المسيئين، اعف عمن تراه قد أساء لك، وقد نتوهم كثيراً الإساءة من الآخرين،