محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١١٥ - الخطبة الأولى
، وتستهلك مدتها، وتستنفذ طاقتها لتكون المادة هي الهدف وهذه النفس هي الوسيلة.
وهذا على خلاف نفس تحررت من قبضة المادة وأسر الشهوة، وقوقعة الأنا الأرضية، فهذه نفس تعطي مما في يدها لتزكو مشاعرها، و لا تجد في ما عند الناس مطمعاً، لتكون مملوكة لهم، أو حاقدة ساعية للإضرار بهم. نفس تستطيع أن تحيا لهدفها الكبير، بعد أن لم تستوقفها أشياء الطريق، وملهيات النفوس الصغيرة. إن تحررها من العبودية للمادة يعطيها أن تحلِّق بعيداً بمستواها الإنساني، وبوجودها الروحي، وأن تتفرغ لمواصلة رحلتها الصاعدة التي تزداد بها تبلوراً وصفاء وقوة وهداية.
إذا كانت النفس الأولى تحقد وتحسد وتعادي وتظلم وتغتصب وتنهب من شحها تنافساً على الكثير والقليل من متاع الحياة الدنيا، وإن وجدت، وبلغ ما في يدها ما بلغ، فإن النفس الثانية بما برأت من مرض الشح لا تجد بما فاتها من المادة أن قد فاتها خير تدخل صراعاً مع الغير من أجله، أو تكتئب في داخلها، وينال من همها شيئاً. وإذا كانت الأولى تستمسك بالزهيد من الكثير الذي تملك استمساكها بالحياة والبقاء فلا يرشح عنها خير، ولا تطيب بشيء مما أوتيت فإن النفس التي فارقها الشح ينطلق عطاؤها سخياً على حاجة تلم بها، وخصاصة تحاصرها.
ولو كان الناس كلهم من هذه النفس الأخيرة لكان الغنى حظّ الجميع، وحُلّت مشاكل الحياة، فإن المشاكل التي تطحن الأرواح، وتقوّض الأمن، وتقلق المجتمعات مرد كثير منها شح الأنفس، والبحث عن الذات في أشياء هذه الحياة.
وليس يبرئ الأنفس من شحها إلا أن تجد الغنى في نفسها من معرفتها بربها، وثقتها ببارئها وتأدبها بالمنهج المتنزل عليها من الله. وهذه النفس المعجزة التي تعيش على الأرض بهمٍّ يتصل بالسماء فيحميها من الذوبان في الطين، والمغالبة على ما تتغالب عليه الديدان، والإقتتال على ما تقتل عليه الكلاب قد وجدت فعلًا في نماذج رائعة في تاريخ