محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١١٦ - الخطبة الأولى
الإسلام، منها هذا النموذج الراقي الذي تعرضه الآية الكريمة ( (وَ الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَ الْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَ لا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)) ٩ الحشر.
كان فيءٌ من بني النضير في المدينة، فقسمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين المهاجرين والأنصار إلا ثلاثة في رواية الأنصار الذين آووا ونصروا واستقبلوا المهاجرين وأعطوا من أموالهم، واحتضنوهم تمام الاحتضان، الآن يأتي فيءٌ من بني النضير لا ينال من هذا الفيء أكثرهم، ويقسمه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعدله وحكمته بين المهاجرين دون الأنصار- والوقت ليس وقت شرح-
في رواية أنه خاطب الأنصار: اختاروا إما أن تقاسموهم أموالكم وما ملكتم، فتشتركوا معهم في هذا الفيء، وإما أن تمنعوهم، فيكون هذا الفيء بينهم خاصة، قالوا: شاركناهم في الأموال ونبذلُ والفيء لهم خاصة، نحن على بذلنا وعلى عطائنا للمهاجرين وليكن هذا الفيء والربح لهم خاصة. الأنصار الذين تبؤوا وتوطنوا المدينة وآثروا الإيمان على غيره، وأخلصوا الإيمان، كلٌ بقدره، وكان وتوطنّهم بالمدينة وهم أهلها قبل المهاجرين، هؤلاء جاءهم المهاجرون لا يملكون شيئاً، فأغنوهم بقدر ما يغنون، وأعطوهم بقدر ما يجدون، وأحبوهم .. أحبوهم لأنهم هاجروا إليهم ( (يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ)) لأنهم هاجروا لله. هؤلاء الذين جاءوا يشاركونهم في ثروة بلدهم، و في نتاج عرقهم، ويكونون عالةً عليهم إلى حين .. يحبونهم لأنهم كانت هجرتهم إليهم في الله سبحانه. ( (وَ لا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا ..)) لما آتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الفيء للمهاجرين، الأنصار ليس أنهم لم يحسدوا و لم يحقدوا على المهاجرين فحسب، فالأمر أكبر من ذلك؛ إنهم كانوا لا يخالط نفوسهم شعورٌ بالحاجةٍ مما أوتي المهاجرون. لا تعلّق في نفوسهم بذلك الشيء الكبير أصلًا، لا تحمل أنفسهم أي اشتغالٍ بالمادة الكبيرة التي