محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٩٥ - الخطبة الثانية
عن قيمته في المال التالف ... في الجاه الزائف ... في السلطان العابر ... في الخلود الدنيوي الموهوم.
يسكت هؤلاء المستكبرون عن سلبهم لأرزاق الملايين من البشر، واللعب بالثروة من عطاء الأرض وجهود الكادحين، وإبداع المكتشفين والمخترعين لعب الطفل الأبله، ويكدّسون الأموال كالرمال، وينسون احتكارهم للطبيعة، وحرمان المستضعفين من الإفادة منها ومن عطاءاتها، بل وتجاوزَهم على الطبيعة بإفسادها وتخريبها والإخلال بمعادلاتها التي تنتظم بتوازنها أمور المعاش والحياة لحساب مشاريعهم الجشعة والعدوانية الفتَّاكة.
ولو صدق الإنسان لقال بأن الثروة الأولية، وناتج الكدحِ العالمي، والفكرِ المخترع المبدع، والآلة الضخمة يحترقان في وزارات الداخلية والدفاع والإعلام الموجَّه للتضليل والخداع والتجهيل، وفي ليالي الفحشاء وسوق الهوى، ونوادي القمار والخمر، والسرقات والرشوات، وإنتاج أسلحة الدمار الشامل، والبحوث العلمية الموظفة لتقدم وسائل الفتك العالمي وتكديسها وتخزينها، وفي الإنتاج الفضولي الترفي الذي يمثِّل مع تسويقه، وامتصاص المال عن طريقه لوناً من ألوان بعثرة الثروة وسرقتها من جيوب المغفَّلين. وتجد النسبة العليا من مال أهل الأرض وأرزاق ملايينها الغفيرة وثمن لقمتها وكسائها ودوائها وسكنها المناسب وما به صلاح حياتها في أرصدة حفنة قليلة من متموّلي العالم ومهرة سرّاقه. هذه هي الحقيقة بالضبط وإذا بقي منها باقٍ فهو من نفس السياق.
قالت كلمة البعض في قمة الأرض الأخيرة بأن من أكبر عوامل الفقر في العالم إن لم يكن أكبر عامل له هو الفساد، ويعني به اختلاس المال العام من المتنفذين في مراكز القرار والإدارة، والرشوة، ومختلف التحايلات القانونية وغير القانونية على ناتج عرق الكادحين، وعطاء إبداع المفكرين. ويشترك في الاختلاس والخيانة للمال العام موظفون ومدراء، ووكلاء، ووزراء ورؤساء وزارات، ورؤساء جمهوريات من مصاصي الدماء، وفاقدي