محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٩٦ - الخطبة الثانية
الضمير، والمبتلين بداء العطاش للمال والدنيا، ومقتضيات الهوى، وهم- الخونة الناهبون الغاصبون المتحايلون- حرّاس الثروة والأمن والقيم والدين وكل مقدّر ومقدرة.
والسؤال كيف يسقط الإنسان، وتحترق الثروة على يديه في كل هذه المحارق، ويهدر تعب الأجيال، وكدح المعذّبين، وعرق المكدوحين، وتسرق لقمة الكفاية ولقمة الجياع من طريقها إلى أفواه الملايين، وإذا وصل ما يقيم الصلب أو يحفظ الرمق لا يصل إلا وهو مغموس بالذل والهوان، وبيع الشرف والدين في كثير من الأحيان؟! كيف صار يمتهن الإنسان على يد أخيه الإنسان الذي يسرق لقمته وجهده ونصبه، ويتفنن في إذاقته ألوان العذاب مع راحة ضمير، واستمراء للحياة بل هناءة فائقة وتلذذ كبير؟! من أين صار أمن الحكومات لا يتم إلا بإخافة الشعوب؟ وأمن كل دولة لا يتم إلا بإخافة بقية الدول المجاورة حينا وحتى غير المجاورة حيناً آخر، وأمن الرؤوس في كل حكومة لا يتم إلا بالحراسة من بعضهم البعض؟! لماذا لا ضعيف يأمن، ولا قوي يأمن، والعالم كله في توتر من الأعصاب إلى حد العنف والإرهاب والاغتيال والقتل للتشفي وللبطش والملهاة؟!
وراء ذلك كله أمر؟ نعم ولا شك ولا ريب. حاجة الإنسان إلى ربه في المرجعية والحاكمية التشريعية حاجته إليه في المرجعية والحاكمية التكوينية ... حاجته إليه في مساحة الاختيار على حدّ حاجته إليه في مساحة الجبر والإطرار، وتنكّر الإنسان استكباراً وجاهلية وغروراً لهذه الحاجة في حاكمية التشريع، وهو المذعن اطراراً لحاكمية التكوين. هذان الأمران: إنسان محتاج إلى الله ويستكبر على الله. الإنسانية تبقى محتاجة إلى الله في عالم التشريع كما هي محتاجة إليه في أصل وجودها وعموم حياتها، هذه الحاجة اللابدية حين يكون لها تنكّر لابد أن تكون آثار مدمِّرة. أنا محتاج للشمس، فحين أرفض أن أتعامل مع الشمس أي تعامل إلا بالهروب منها، لا بد أن تكون صحتي في كارثة، أنا محتاج للأكسجين، فحين أكفر بقيمة الأكسجين لابد أن أنتهي. هذه هي المشكلة تماماً.