محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٩٤ - الخطبة الثانية
فإنّ حديثي لا ينصبّ على الأحداث السياسية الجزئية وإنما هو حديثٌ يذهب إلى العمق من المأساة، وإلى ما هو العلاج الحق لو وعينا وانكشفت عنّا غمم الجاهلية العمياء. الكلّ يعرف معاناة البشرية وكثرة مآزقها ولكن ما أقل من يطلب خلاصها، وحل أزماتها من الطريق القصير الصحيح الواصل الذي لا طريق واصلًا غيره، ولا مخلّصاً سواه، وهو طريق الله سبحانه، ومنهجه الكريم الذي تنزلت به كتبه وجاءت به رسله." إن الدين عند الله الإسلام"،" ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه" إذ غيره واهم فاسد مؤزم ساقط.
من مشاكل هذا العالم المعرض بوجهه عن منهج الله الذي لا غنى له عنه فقر ومرض يسحقان ملايين من النَّاس، وجوع مذل، وسقم مفترس، وفزع أمنيٌّ دائم من الفرد إلى الدولة إلى العالم، واقتتال طاحن طرفاه الحرمان والإكتراش، فهو من جانب من أجل اللقمة المسلوبة التي تتوقف عليها الحياة، ومن جانب من أجل العبث في كنوز الدنيا وجهود أبنائها، ومزيد من التطاول على الآخرين. عالم ملؤه مشاكل بلا تعداد، يغرق في مآسيه، ويسعى إلى مزيد.
من أين هذا الفقر ... الجوع .. العري ... التشرد .... المرض ... العجز عن اللقمة .. عن الكسوة ... المسكن ... الدواء؟ من أين هذا الفزع عند الإنسان من الإنسان ... من نتائج العلم .... من مكتسبات الحضارة المادية ... هذه المعارك العدوانية المتصلة التي تحصد الناس وتحرق الأخضر واليابس؟!
يغالط المستكبرون المستضعفين فيقولون إن المشكلة في شح الموارد الطبيعية، وإنَّهم لكاذبون ولو تضاعفت الموارد الطبيعية أضعافاً، وضاعف التقدم العلمي الإنتاج المادي مرات ومرات فالمشكلة ستبقى، وإذا كان شيء فستزيد لا أنها تنقص.
المشكلة في الإنسان المستكبر ... في تفرعنه ... في طاغوتيته ... في سحقه لقيمة الثروة ... لقيمة الإنسان ... في روح الجشع التي تتحكم في تصرفاته ... في بحثه عن ذاته .. عن معناه ...