محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٨٤ - الخطبة الأولى
تعالج بعض مظاهر هذا الداء، وليس أصل الداء، ولا يحاولون أن يسدوا المنبع الخبيث الصديدي وهو الزنا.
٦. فقد الأمن عطاءٌ واضح من عطاءات الحضارة المادية لأنها تولد التهارش على المادة، والسباق المحموم، والصراع المفصول عن القيم فلا بد أن تقلق الدنيا كلها، فلا يأمن أحد على ما في يده، ثم لا يأمن على نفسه، وحتى الكبار يعمهم الخوف والقلق لسياسة الغصب والنهب والسرقة والإستغلال والإستعباد.
حضارة العقل والقلب:-
ففيها نظرتان: النظرة المعطلة، وتتمثل في بعض المذاهب الصوفية التي تفصل الإنسان عن حركة الحياة، وتعطل فيه الفاعلية المنتجة، وهذه النظرة لا تتلائم مع الاسلام، والإسلام يرفضها رفضاً واضحاً، ولذلك نتجاوزها- نظرة أخرى هي النظرة المحرِّكة، النظرة الفاعلة. حضارة العقل والقلب في النظرة المحركة لها، لها مواصفات
تنطلق من تفسير الكون تفسيراً عميقاً ينطلق من الفطرة والعقل، هذا الإنسان أمامه حالة كونية هائلة، لا تسمح له فطرته، ولا يرضى عنه عقله حين يعطي للفطرة أن تتحدث، وحين يعطي للعقل أن يفكر لا ترضى منه فطرته، ولا يرضى منه عقله أن يقف عند الظاهرة من دون أن يبحث عن علّتها، هذه الحضارة لا تهدأ في نفس صاحبها حتى يقف على سر الكون، وهو لا يحتاج إلى بحث كثير في هذا المجال فإنّ فطرته نفسها تحدّثه لأنّ هذا الكون الذي كان لا شيء والذي كان في يوم من الأيام مواتاً لا بد أن تكون وراءه قدرة مبدعة غير محدودة هي التي أبدته، وإلا لو كان المحدود لم يكن المبدع الأول وإنما كان محتاجاً إلى مبدع. هذه الحضارة تنطلق من تفسير كوني شامل دقيق تحمل إشعاعاته الفطرة، وتتحدث به الفطرة لصاحبها، وينطق به العلم، ويزيده العلم تركيزاً، هذه الحضارة تتوسع في حاجات الإنسان ومقتضى سعادته، وأنّ سعادة الإنسان لا تتلخص