محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٨٥ - الخطبة الأولى
في التوفر على كم من الشهوات وإنما سعادة الإنسان أكثر ما يتوفر عليها حين يشعر بسموّ ذاته، حين تتجلى له ذاته سامية رفيعة قابلة للخلود، ذات معنى كبير، لا يتهدده العدم، ولا تقيده الحدود الزمنية والمكانية الخانقة وإنما هو الوجود القابل على الإنقراض مع الأبد، الإنطلاق مع الكون كل الكون حتى ليتجاوز الكون المادي كله، وهو إنما يشعر بالذات الرفيعة الممتدة العالية في ظل رؤية الله سبحانه وتعالى. سموّ الذات والشعور بهذا السمو رفعة الذات، والإيمان الأكيد في الداخل بهذه الرفعة هو سر الشعور بالسعادة المفعمة للذات، الإنسان ما توفر على الكثير من المادة في يده وهو يرى نفسه المذلّ الزائل السريع الزوال، والوجود الضئيل المحدود المخنوق في قوقعة لحظات الزمن، وفي قوقعة المكان، يشع؟ فكيف يشعر بالدونية؟ وكيف يشعر بالضياع؟ وكيف يشعر بالموقع المتخلف؟ بنفسه بأنه دوني وبأنه صغير، وبأنه تافه، ولا يمكن أن يغنى داخله بالسعادة، والإنسان يكون صفر اليدين وهو يشعر بسمو الذات وبالإمتداد وبأنه شعاع لا ينقطع منبع الإشعاع عنه، ويبقى دائماً متصلا بمنبع الإشعاع يشعر بالسعادة، ويشعر بالمعنى الكبير، ويشعر بالقيمة الذاتية العالية. أبو ذر لم يمر عليه يوم من الأيام في فقره يشعر بالشقاء، ويشعر بالدونية، ويشعر بالتفاهة، أبو ذر وفي كلّ لحظات فقره المادي كان يشعر بأنه أقوى من كل الملوك، وكان يشعر بأنه أكبر من كلّ الفلاسفة، ويشعر بأنه أكبر من كلّ أصحاب الأرقام المالية الخيالية، لأنه يشعر بذات إيمانية موصولة بالله سبحانه وتعالى يشعر بالامتداد الأبدي يشعر برضا الخالق العظيم الكامل سبحانه عنه، وما دام هذا العبد ممدوداً دائماً من الكامل الرب الكامل فكيف يشعر بالنقص، وكيف يشعر بالدونية، وكيف يشعر بالضياع، وكيف يشعر بالموقع المتخلف. نعم، وهذه الحضارة تجعل أعلى الإنسان هدفاً وأسفله وسيلة، إنها لا تهمل الأسفلين، ولا تهمل المادة ولكنّ المادة في يد الإنسان المؤمن وسيلة، وقد سُخِّر له الكون ليكون من بعد الله وفي طول سيادة الله تبارك وتعالى السيادة المطلقة سيداً لكثير من أشياء هذا الكون،