نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢١٤ - سورة الأحزاب
المعنى: أريد أخفيها لكي تجزى كلّ نفس بما تسعى. و يجوز أن تكون زائدة و يكون المعنى إنّ الساعة آتية أخفيها لتجزى كلّ نفس.
و قد قيل فيه وجه آخر: و هو أن يتمّ الكلام عند قوله تعالى: آتِيَةٌ أَكََادُ ، و يكون المعنى: أكاد آتي بها، و يقع الابتداء بقوله: أُخْفِيهََا لِتُجْزىََ كُلُّ نَفْسٍ ؛ و ممّا يشهد لهذا الوجه قول ضابئ البرجميّ:
همتت و لم أفعل و كدت و ليتني # تركت علي عثمان تبكي حلائله [١]
أراد: و كدت أقتله، فحذف الفعل لبيان معناه.
و روي عن سعيد بن جبير أنّه كان يقرأ: أَكََادُ أُخْفِيهََا ، [بفتح الألف] فمعنى أخفيها على هذا الوجه أظهرها؛ قال عبدة بن الطبيب يصف ثورا:
يخفي التّراب بأظلاف ثمانية # في أربع مسّهنّ الأرض تحليل [٢]
أراد أنّه يظهر التراب و يستخرجه بأظلافه، و قال امرؤ القيس:
فإن تدفنوا الدّاء لا نخفه # و إن تبعثوا الحرب لا نقعد [٣]
أي لا نظهره؛ و قال النابغة:
تخفي بأظلافها حتّى إذا بلغت # يبس الكثيب تداعى التّرب فانهدما [٤]
و قد روى أهل العربية: أخفيت الشيء يعني سترته، و أخفيته بمعنى أظهرته، و كأنّ القراءة بالضمّ تحتمل الأمرين: الإظهار و الستر، و القراءة بالفتح لا تحتمل
[١] الشعر و الشعراء: ٣١٠.
[٢] من قصيدة مفضلية ٢٦٨-٢٩٣ بشرح ابن الأنباري. يصف شدّة عدو الثور، و أنه يثير الغبار بأظلاف ثمانية و أربع قوائم، مقدار مسهن الأرض تحليل، أي قول الرجل في يمينه إن شاء اللّه.
و في حواشي بعض النسخ؛ التحليل ضدّ التحريم؛ يقال حللته تحليلا و تحلة؛ و تقول لم أفعل ذلك إلاّ تحلة القسم؛ أي القدر الّذي لا أحنث معه، و لم أبالغ فيه؛ ثمّ توسع فيه؛ فقيل لكلّ شيء لم يبالغ فيه تحليل؛ يقال ضربته تحليلا.
[٣] مختار الشعر الجاهلي: ١٣١.
[٤] البيت ليس في ديوانه.