نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٣٠٣ - سورة غافر
الشرائط الثلاث، و أيّ واحدة ألفيناها أدخل الكلام في الفائدة، فلم جعلتم ما يلغى هو العفو دون التوبة و زيادة الثواب؟
فإن قالوا: قد بنيتم طريقتكم هذه على صحّة إسقاط العقاب، و ليس يخلو إسقاطه من أن يقع قبل المعصية أو في حالها أو بعدها، و لا يجوز أن يكون واقعا قبلها و لا في حالها؛ لأن الإسقاط تصرّف في الحقّ و في مقابلته الاستيفاء، فكما لا يحسن الاستيفاء قبل المعصية و لا في حالها، لا يجوز الإسقاط، و ان كان الإسقاط بعد المعصية فقد علمنا أنه لا أحد من المكلّفين إلاّ و هو مقطوع إذا سرق و أصرّ على وجه الجزاء و النكال، و كذلك كلّ زان مصرّ يحدّ على سبيل العقوبة، فلو جاز العفو لقدح فيما تقرّر من الإجماع.
قلنا: أما إسقاط الحق قبل ثبوته فغير جائز، غير أنه يمكن أن يقال: إنّه مانع من ثبوت الحقّ مستقبلا، و يجري مجرى قول القائل لغيره: «كلّ حقّ أستحقّه مستقبلا عليك وهبته لك» ، و لا معنى للمضايقة في هذا القسم، و إنّما الكلام كلّه معهم في إسقاط العقاب بعد وقوع المعصية.
و الّذي ادّعوه من الإجماع في قطع السراق و جلد الزناة فيه من المرجئة كلّ الخلاف؛ لأنهم لا يقطعون نكالا و لا يجلدون عقوبة إلاّ من علموا استحقاقه للعقاب، و ان العفو ما أسقطه عنهم، و يجرون قطعه من غير علم بسقوط العقاب عنه بالعفو مجرى قطعه مع تجويز كونه تائبا. و لا خلاف بيننا و بينهم في أن المشهود عليه بالسرقة أو الزنا، و المقرّ بها لا يحدّان على وجه العقوبة و الاستحقاق؛ لأنا لا نأمن أن يكون الباطن بخلاف الظاهر.
فإن قالوا: قولكم يؤدي إلى تعذّر قطع سارق على سبيل العقوبة، لتعذّر الشرط الّذي راعيتموه.
قلنا: لو لم يكن معرفة ذلك على ما ادعيتم لم تخرج آية القطع من أن تكون مفيدة؛ لأنها إنّما تدلّ على استحقاق العقوبة فيمن كان على الصفة المخصوصة، و لا يقدح في ذلك فقد طريق لنا إلى العلم بالشرائط.