نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٣٩ - سورة النّور
و المواقفة علما، فليس يمتنع أن يكون في ذلك أغراض و فوائد يفعل لأجلها؛ لأن بالمحاسبة و المسائلة و شهادة الجوارح تنكشف حال أهل الجنّة و حال أهل النار، و يتميّز كلّ فريق من صاحبه، فيسّر بذلك أهل الجنّة و الثواب، و يشتدّ إليه سكونهم و به انتفاعهم، و يغتمّ به أهل العقاب و يعظم لأجله انزعاجهم و قلقهم بانتظار وقوع العقاب بهم. و غير ممتنع أن يكون في العلم بذلك و التوقّع له في أحوال التكليف زجر عن القبيح، و بعث في فعل الواجب.
و قد نطق القرآن بالمحاسبة [١] ، و اجتمعت الأمّة على وقوعها، فلا وجه للشكّ فيها، و كذلك نشر المصحف [٢] ، و شهادة الجوارح.
غير أن المسألة و ان كانت عامّة فإنّها مترتّبة، فتكون للمؤمنين سهلة خفيفة لا إيلام فيها، و للكافر على سبيل المناقشة و التبكيت و التهجين، و قد فصل القرآن بتصريحه بين الحسابين.
و أمّا كيفيّة شهادة الجوارح، فقيل إن اللّه تعالى بناها بنية حيّ منفصل فتشهد بذلك. و قيل: إنّه تعالى يفعل الشهادة فيها، و أضافها إلى الجوارح مجازا.
و في الوجه الأوّل من المجاز مثل ما في الثاني؛ لأن الأوّل يقتضي أن اليد و الرجل خرجت من كونها يدا و رجلا إذا بنيت بنية حيّ منفصل، و الظاهر إضافة الشهادة إلى الجوارح.
و قد قيل: إن الشهادة وقعت من العاصي نفسه، و أحوج إلى أن يشهد بما فعل و يقرّبه، و بنى اللّه تعالى جوارحه بنيّة يمكن أن يستعمل في الكلام، و يكون آلة فيه.
و يقوي هذا الوجه قوله تعالى: تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ ، و معلوم أن شهادة اللسان هي فعل صاحب اللسان، و كذلك باقي الجوارح، و قد يقول أحدنا لغيره: «أقرّ لسانك بكذا» و إنّما الإقرار بالحيّ، و كلّ هذا جائز.
[١] مثل آية ٤٠ سورة رعد.
[٢] مثل آية ١٠ سورة تكوير.