نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٢١١ - سورة الأحزاب
الحناجر، و ان لم تبلغ في الحقيقة، فألقى ذكر «كادت» لوضوح الأمر فيها، و لفظة «كادت» هاهنا للمقاربة؛ مثل قول قيس بن الحطيم:
أ تعرف رسما كاطّراد المذاهب # لعمرة وحشا غير موقف راكب [١]
ديار الّتي كادت و نحن على مني # تحلّ بنا لو لا نجاء الرّكائب
معناه: قاربت أن تحلّ بنا، و ان لم تحلل في الحقيقة.
و قوله: «غير موقف راكب» فيه وجهان: أحدهما: أنه ليس بموضع يقف فيه راكب لخلوّه من الناس و وحشته، و الآخر: أن يكون أراد أنّه وحش؛ إلاّ أن راكبا واقف به، يعني نفسه.
و قال نصيب:
و قد كدت يوم الحزن لمّا ترنّمت # هتوف الضّحى محزونة بالترنّم
أموت لمبكاها أسى إنّ لوعتي # و وجدي بسعدى شجوه غير منم
معنى المنجم: المقلع.
و قال ذو الرّمة:
وقفت علي ربع لميّة ناقتي # فما زلت أبكي عنده و أخاطبه [٢]
و أسقيه حتى كاد ممّا أبثّه # تكلّمني أحجاره و ملاعبه
و كل هذا معنى «كاد» فيه المقاربة.
و متى أدخلت العرب على «كاد» جحدا، فقالوا: ما كاد عبد اللّه يقوم، و لم يكد عبد اللّه يقوم؛ كان فيه وجهان:
أجودهما: قام عبد اللّه بعد إبطاء و لأي، و مثله قوله تعالى: فَذَبَحُوهََا وَ مََا كََادُوا يَفْعَلُونَ [٣] ؛ أي بعد إبطاء و تأخير، لأنّ وجدان البقرة عسر عليهم.
[١] ديوانه: ١٠٠، و الرسم: ما شخص من آثار الديار بعد البلى، و المذاهب؛ جمع مذهب؛ و هي جلود تجعل فيها خطوط فيرى بعضها في إثر بعض، و أطرادها: تتابعها.
[٢] ديوانه: ٣٥.
[٣] سورة البقرة، الآية: ٧١.