نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٦٧ - سورة الكهف
«مسكين مسكين رجل لا زوجة له» و إنّما أراد وصفه بالعجز و قلّة الحيلة، و إن كان ذا مال واسع.
و وجه آخر: و هو أنّ السفينة الواحدة البحرية الّتي لا يتعيش إلاّ بها و لا يقدر على التكسّب إلاّ من جهتها كالدار الّتي يسكنها الفقير هو و عياله و لا يجد سواها، فهو مضطرّ إليها و منقطع الحيلة إلاّ منها، فإذا انضاف إلى ذلك أن يشاركه جماعة في السفينة حتّى يكون له منها الجزء اليسير، كان أسوأ حالا و أظهر فقرا.
و وجه آخر: أنّ لفظة المساكين قد قرئت بتشديد السين و فتح النون، فإذا صحّت هذه الرواية فالمراد بها البخلاء. و قد سقط السؤال.
فأما قوله تعالى: وَ كََانَ وَرََاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً فهذه اللفظة يعبّر بها عن الأمام و الخلف معا، فهي هاهنا بمعنى الامام. و يشهد بذلك قوله تعالى: مِنْ وَرََائِهِ جَهَنَّمُ يعني من قدّامه و بين يديه. و قال الشاعر:
ليس على طول الحياة ندم # و من وراء المرء ما لا يعلم
و قال الآخر:
أ ليس ورائي إن تراخت منيتّي # لزوم العصى تحنى عليها الأصابع
و لا شبهة في أنّ المراد بجميع ذلك: القدّام.
و قال بعض أهل العربية إنّما صلح أن يعبّر بالوراء عن الأمام إذا كان الشيء المخبر عنه بالوراء يعلم أنّه لا بدّ من بلوغه ثمّ يسبقه و يخلفه، فتقول العرب:
«البرد وراءك» و هو يعني قدّامك؛ لأنّه قد علم أنّه لا بدّ من أن يبلغ البرد ثمّ يسبق.
و وجه آخر: و هو أنّه يجوز أن يريد أنّ ملكا ظالما كان خلفهم، و في طريقهم عند رجوعهم على وجه لا انفكاك لهم منه، و لا طريق لهم إلاّ المرور به، فخرق السفينة حتّى لا يأخذها إذا عادوا عليه؛ و يمكن أن يكون وراءهم على وجه الاتباع و الطلب و اللّه أعلم بمراده [١] .
[١] تنزيه الأنبياء و الأئمّة: ١١٨.
غ