نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ٤٣٨ - سورة النّبأ
بذكر المصدر قائما مقام نفى الموت، و سادّا مسدّ قوله: وَ جَعَلْنََا نَوْمَكُمْ ليس بموت.
و يمكن أن يكون في الآية وجه آخر لم يذكر فيها، و هو أن السّبات ليس هو كلّ نوم، و إنّما هو من صفات النوم إذا وقع على بعض الوجوه، و السّبات هو النوم الممتدّ الطويل السكون، و لهذا يقال فيمن وصف بكثرة النوم إنّه مسبوت، و به سبات؛ و لا يقال ذلك في كلّ نائم، و إذا كان الأمر على هذا لم يجر قوله:
وَ جَعَلْنََا نَوْمَكُمْ سُبََاتاً مجرى أن يقول: و جعلنا نومكم نوما.
و الوجه في الامتنان علينا بأن جعل نومنا ممتدّا طويلا-ظاهر، و هو لما في ذلك لنا من المنفعة و الراحة؛ لأنّ التهويم و النوم الغرار لا يكسبان شيئا من الراحة؛ بل يصحبهما في الأكثر القلق و الانزعاج، و الهموم و هي التي تقلّل النوم و تنزّره، و فراغ القلب و رخاء البال يكون معهما غزارة النوم و امتداده؛ و هذا واضح.
[أقول]: وجدت أبا بكر محمّد بن القاسم الأنباريّ يطعن على الجواب الذي ذكرناه أوّلا، و يقول: إنّ ابن قتيبة أخطأ في اعتماده؛ لأنّ الراحة لا يقال لها: سبات، و لا يقال: سبت الرجل بمعنى استراح و أراح، و يعتمد على الجواب الذي ثنّينا بذكره، و يقول فيما استشهد به ابن قتيبة من قولهم سبتت المرأة شعرها: إن معناه أيضا القطع، لأنّ ذلك إنّما يكون بإزالة الشّداد الذي كان مجموعا به و قطعه.
و المقدار الذي ذكره ابن الأنباري لا يقدح في جواب ابن قتيبة، لأنّه لا ينكر أن يكون السبات هو الراحة و الدعة إذا كانتا عن نوم، و ان لم توصف كلّ راحة بأنها سبات، و يكون هذا الاسم يختصّ الراحة إذا كانت على هذا الوجه؛ و لهذه نظائر كثيرة في الأسماء، و إذا أمكن ذلك لم يكن في امتناع قولهم: سبت الرجل بمعنى استراح في كلّ موضع دلالة على أنّ السّبات لا يكون اسما للراحة عند النوم؛ و الذي يبقى على ابن قتيبة أن يبيّن أن السبات هو الراحة و الدعة،