نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٨٥ - سورة النّمل
و المحاورات، و هم لم ينطقوا بهذه اللغة، و إنّما نطقوا بمعانيها بلغتهم، فحكاه اللّه تعالى باللغة العربية و عفتها و قدسها.
و هذا مزيل العجب من نطق الهدهد بذلك الكلام المرتّب؛ لأنّه لا يمتنع أن يكون ما نطق به بعينه، و إنّما نطق بماله معناه.
فإن قيل: فقد رجعتم في الجوابين معا عن مطلق القرآن؛ لأنّ حمل القول المحكي على أنّ المراد به ما ظهر من العلامات و الدلالات، على ما أنشدتموه من الشعر مجاز غير حقيقة، و كذلك إضافة القول المترتّب إلى من لم يقله من ترتيبه، و إنّما قال ما له معناه أيضا مجاز، فقد هربتم من مجاز إلى مجاز، من أنّكم امتنعتم من أن تسمّوا هدهدا عاقلا كاملا بمخالفة اللغة، و أنّه عدول عن مقتضاها، فما أجبتم به أيضا بهذه الصفة.
قلنا: الفرق بين الأمرين واضح؛ فإنّ العادة قد جرت للعرب بما ذكرناه في الجواب الأوّل من المجاز، و هو في كلامهم و أشعارهم ظاهر شائع، حتى كاد يلحق بالحقيقة، و ما جرت عادتهم باسم الهدهد و ما أشبهه من البهائم شخصا عاقلا مكلّفا على سبيل الإفادة و لا التلقيب، فعدلنا عن مجاز[غير]معهود و لا مألوف إلى مجاز معهود مألوف.
و أمّا الجواب الثاني فلا نسلم أنّه مجاز، و لا فيه من الاستعارة؛ لأنّ من حكى معاني كلام غيره بلغة أخرى، أو على ترتيب آخر بعد أن لا يتجاوز تلك المعاني و لا يتعداها، و إن عبّر عنها بغير تلك العبارة لا يقول أحد: انّه متجوز و لا مستعير، فبان الفرق بين الموضعين.
فإن قيل: قد شبهتم شيئا و بما لا يشبهه؛ لأن القائل:
امتلأ الحوض و قال قطني # مهلا رويدا قد ملأت بطني
إنّما مراده امتلاء حتى لو كان ممن يقول لقال كذا، و كذلك الجبل إنّما حكي عنه ما لو كان قائلا لقاله.
و قوله:
و شكى إليّ بعبرة و تحمحم