نفائس التأويل - السيد الشريف المرتضي - الصفحة ١٥١ - سورة النّور
أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرََادَ شُكُوراً [١] أن المراد به كون كلّ واحد منهما خلف صاحبه، و أنشدوا في ذلك قول زهير بن أبي سلمى:
بها العين و الآرام يمشين خلفة # و أطلاؤها ينهضن من كلّ مجثم [٢]
و هذا الاستخلاف و التمكين في الدين لم يتأخّر إلى أيّام أبي بكر و عمر على ما ظنّه القوم بل كان في أيّام النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم حين قمع اللّه أعداءه، و أعلى كلمته، و نشر رايته، و أظهر دعوته، و أكمل دينه، و نعوذ باللّه أن نقول: إنّ اللّه لم يكن أكمل دينه لنبيّه في حياته حتى تلافى ذلك متلاف بعد وفاته، و ليس كلّ التمكين هو كثرة الفتوح و الغلبة على البلدان؛ لأن ذلك يوجب أن دين اللّه تعالى لم يتمكّن إلى اليوم لعلمنا ببقاء ممالك الكفرة كثيرة لم يفتحها المسلمون، و لأنه أيضا يوجب أن الدين تمكّن في أيّام معاوية و من بعده من بني أميّة أكثر من تمكّنه في أيّام النبيّ صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و أبي بكر و عمر؛ لأنّ بني أميّة افتتحوا بلادا لم تفتتح قبلهم.
ثمّ يقال له: من أي وجه أوجبت كون التمكين فيمن ادّعيت؟فإن قال: لأني لم أجد هذا التمكين و الاستخلاف إلاّ في أيّامهم، و قد بيّنا ما في ذلك، و ذكرنا أن التمكين كان متقدّما و كذلك الاستخلاف على المعنى الذي ذكرناه، و إن قال:
لأنا لم نجد من خلف الرسول صلّى اللّه عليه و اله و سلّم و قام مقامه إلاّ من ذكرته.
قيل له: أ ليس قد بيّنا أن الاستخلاف هاهنا يحتمل غير معنى الإمامة فلم حملته على الإمامة؟و بعد فإن حمله على المعنى الذي ذكرناه أقرب إلى مذهبك و أجرى على أصولك؛ لأنّه إذا حملته على الإمامة لم يعم جميع المؤمنين و إذا حمل على المعنى الذي ذكرناه عمّ جميع المؤمنين.
و بعد، فإذا سلم لك أن المراد به الإمامة لم يتمّ ما ادّعيته إلاّ بأن تدلّ من
[١] سورة الفرقان، الآية: ٦٢.
[٢] البيت من المعلقة و العين-بالكسر-: بقر الوحش، و الآرام: الظبآء واحدها ريم بالفتح، و خلفة واحدة بعد واحدة، و الاطلاء جمع طلا و هو ولد الظبي الصغير، و المجثم: الموضع الذي يجثم فيه الطائر، أو بمعنى الجثوم-مصدر-أراد إن الدار اقفرت حتّى صارت مجثما لضروب الوحش.
غ